في أحياء اللاذقية الشعبية.. عوالم خفية في العيادة النسائية

يدخل أبو محمد إلى العيادة النسائية في الحي الفقير الذي يسكنه، صحيح أن دخول الرجال محرم على هذا المكان، لكن أبو محمد وضع كل الأعراف والتقاليد تحت قدميه، طالما أن تلك الطبيبة الغبية بدأت بالتطاول على أعز ما يملك، لم يستوعب الرجل ما قالته زوجته عندما امتنعت عن معاشرته في تلك الليلة، “قال شو… معا تنتان” قاصدا إنتانًا استفحل بأعضاء زوجته، وبات امتناعها عن معاشرته أمرًا حتميا للتحكم بالمرض، يبدأ بالصراخ وسط العيادة مطالبًا بخروج الطبيبة التي منعته من ممارسة حق يصفه بالشرعي، ومهددًا بأن يتخذ من  الطبيبة نفسها بديلًا عن زوجته لمساعدته في تلبية نداء الطبيعة، ريثما تنقضي مدة المنع المفروضة من قبلها.

 أبو محمد ليس الرجل الوحيد الذي تجرأ على دخول العيادة النسائية في أحد أكثر أحياء اللاذقية فقرًا وتهميشًا، أبو حيان فعلها قبله عندما طلبت الطبيبة بعد تشخيص إصابة زوجته المصابة بالتهابات حادة، أن يلتزم بدوره بالعلاج المقرر من قبلها، خاصة أن التهابات زوجته ناجمة عن عدوى نقلها إليها من سيدة أخرى، وزوجته التي نسيت موضوع التهاباتها المزمنة، ودأبت على فضحه في المكان على اعتبار أنها تأكدت من علاقته بوداد عاهرة الحي التي نقلت إليه كل أمراضها، كانت ثرثرتها سببًا في زيارته العيادة ودفع أجرة الكشف، وانتظار دوره بكل هدوء ليدخل إلى غرفة الطبيبة ويقف أمامها مخرجًا أعضاءه التناسلية أمامها ويقول:” شوفي …هلأ هاد فيه التهابات..لك مافيه شي الله لا يوفقك خربتي بيتي”.

تضحك ريم الأخصائية بالأمراض النسائية عندما تسرد هذه الوقائع، تنفخ سجائرها بعد يوم عمل طويل في عيادتها، والتي تعتبر ثاني اثنتين من عيادات نسائية تتولى تغطية هذ المكان الغارق بالتخلف والجهل كما تصفه، اختارت ريم هذا الحي بعد إنهاء سنوات اختصاصها  ليكون منطلقًا لتحقيق حلمها بشراء عيادة وسط المدينة، تقول دون أن يرف لها جفن: “لست الوحيدة، قبلي طبيبات كثيرات انخرطن في لعبة استغلال جهل هؤلاء بحقوقهم، هم يفرحون لمجرد أنهم يدفعون أجرة كشف لا تتجاوز 300 ليرة سورية، في الوقت الذي تصل فيه إلى ثلاثة آلاف وتزيد وسط المدينة، أما الاطباء فيطبقون بحرفية شعار “شو ما عفسنا فيون ما حدا رح يشتكي” ، حتى وإن قرر أحدهم الشكوى، فلن يجد آذانًا صاغية، ففقره كفيل بطي شكواه في بلد لا يسمع إلا من يملك مالًا وسلطة”.

في هذه العيادة، ستجد الكثير من النسوة اللواتي يراجعن الطبيبة المختصة وبصحبتهن كثير من الأطفال، أطفال جاؤوا إلى هذا العالم بسرعة قياسية وكأن النساء هنا يتكاثرن بالأبواغ،  تذكر ريم أنها في مرة نصحت إحداهن بأخذ موانع حمل، والاكتفاء بستة أطفال نصفهم لا يلتزمون بالذهاب إلى المدرسة ويعانون أنيميا حادة لنقص التغذية، فما كان من السيدة إلا أن خرجت ونصحت المراجعات بالهرب من العيادة دون رجعة، لأن صاحبتها غير قادرة على الإنجاب، وتريد أن تمنع عن غيرها ما حرمها إياه الرب، تصرف جعل ريم تستغني عن أول مبادئها في تصويب ما هو خاطئ إن لم يكن بيدها فبلسانها، “تحتاجين معجزة ليخرج ذهنك سليمًا من هنا”، تقول ريم، منوهة أنها أيقنت هنا أن المراة عدوة نفسها أحيانًا، إما عن علم ، وفي أكثر الاحيان عن جهل.

لن تنسى ريم تلك السيدة التي أتت إليها وهي تتوسل إيقاف نزيف العادة الشهرية، ” بدو يتجوز عليي إذا ما وقف الدم هيك قلي”، عجزت وقتها عن إيجاد إجابة او طريقة علمية لطلبها، لكن الكارثة كانت في جواب مريضة أخرى طلبت منها الامتناع عن الجماع مع زوجها لفترة وجيزة، بعد أن اشتكت من نزيف متقطع وآلام مبرحة بعد اللقاء ، “بدك ياه يصاحب عليي”، هنا، اكتشفت ريم أن الجنس بالنسبة لهذه الفئة، ليس مجرد إشباع حاجة، أو روتين يومي ينقضي بين زوجين سئما من بعضهما البعض، فالجنس في هذه الأحياء متنفس لأصحابه المتعبين، كما أنه أكثر من مسيطر ومتحكم في حياة من يعيش هناك، تلعب فيه المرأة دور المستعبَد وتستمتع به، وكأن لديها يقين أنها خلقت لتلبية طلبات زوج لا تنتهي حاجاته ولاشيء غير ذلك، وعند سؤالها عن دورها كطبيبة في توعيتهن، تنظر إليك نظرة يملؤها الاستغراب والدهشة وتقول “بدك ياني إطلع من هون ميتة يعني”؟؟

تحدثك ريم عن استفحال إصابة السيدات في هذا الحي بمختلف أنواع السرطان، أنواع تسمع بها لأول مرة، تاتي السيدة إلى العيادة وتكتشف مرضها، تتلقى الخبر وتتابع حياتها وكأن شيئا لم يكن، لا تسأل اصلًا عن الخطوة التالية، مراحل العلاج، الكلفة، لا يهم، المهم أن تؤدي واجبها كزوجة على أكمل وجه لتحافظ على زوجها بجانبها لأطول فترة ممكنة دون أن يستبدلها بأخرى، فصحتها بالنسبة لها تحصيل حاصل، و”الله” قادر على شفائها من سرطان عنق الرحم الذي تعاني منه، فتراها تكترث بشكل أكبر للعنق الموجود في رحمها أكثر من السرطان نفسه، على اعتبار أنها تعلم للمرة الأولى بوجود عنق هناك.

تفرح ريم عندما تجد حبًا وامتنانًا يفيض من عيون نساء الحي اللواتي أتين لوداعها بعد أن علمن أنها ستنتقل إلى عيادتها الجديدة وسط المدينة، مضت سنواتها الثماني بسرعة في هذا المكان الذي شهد مظاهرات رأتها بأم عينها في أيامها الأولى من شباك عيادتها، مظاهرات انخرطت فيها هؤلاء النسوة بكل قوتهن رغم يقينها بأنهن لا يعلمن تبعات ما يقمن به، كثيرات منهن دفعن ثمنًا غاليًا ما زلن يسددنه حتى الآن، فجدران العيادة تشهد على عمليات إجهاض وتجريف نفذتها ريم عن قناعة تامة، بعد أن علمت ان ما حصل ليس إلا لتامين قوت أطفال غُيب والدهم، ولم تمتلك والدتهم سوى جسدها لشراء ما يسد جوعهم.

نبذة عن الكاتب

بتول العلي

صحافية سورية

Loading Facebook Comments ...