أحوال الكُرد السوريين كصورة عن أحوال بلادهم

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود 

ثمة تعسف أولي ودائم في وصف وتحليل أحوال الكُرد السوريين، مُنذ أول الثورة السورية وحتى الراهن، تعسف يحاول تفسير وتحليل أحوالهم وكأنها مُستقلة ومختلفة عن تلك التي لباقي السوريين.

إذ يتم اختلاق توصيفٍ عمومي يوحي بأن جوهر مُشكلة الكُرد السوريين أنما هو في الخلافات الشديدة بين احزابهم السياسية الرئيسية، بالذات بين قوى أحزاب الإدارة الذاتية وحزبها “القائد” الاتحاد الديمقراطي الكُردي، وبين أحزاب المجلس الوطني الكُردي السوري، وان هذا الخلاف أنما قائم على اختلاف في التوجهات الإيديولوجية والسياسية الاستراتيجية.

بينما تقول الحقيقة الموضوعية بأن التيار الرئيسي للقوى السياسية الكُردية السورية، منها بالذات أحزاب المجلس الوطني الكُردي السوري، وبعض الأحزاب الكُردية السورية الأخرى، أنما تستميت في عرض كُل أشكال الشراكة والوئام والتوافق مع قوة الأمر الوقع، للتوصل إلى رؤية سياسية واضحة المعالم، تحمي الكُرد السوريين من مطحنة الصراع العسكري والسياسية المُحيطة بسوريا، وأولاً حمايتهم من لُعبة الامم وتبعاتها التي قد تُطيح بهم تماماً.

منبع ذلك الفرق الجوهري بين هذين التيارين الكُرديين السوريين قائم على ثلاثة أركان واضحة الملامح، تتطابق من حيث المنطق والديناميكية مع الفروق الجوهرية التي بين تيارات الهيمنة والتيارات المُهيمن عليها في كُل جماعة سورية.

يُشكل الاستبداد علامة التفارق الأولى بين هاتين القوتين. إذ لم تطمح أي من القوى الكُردية السورية، خلا حزب الاتحاد الديمقراطي الكُردي وتياره الايديولوجي، لم تطمح يوماً لأن تطغى على المُجتمع الكُردي السوري كهدف أول، إذ كانت تطمح على الدوام لأن تُحقق حضوراً وتقدماً للمسألة الكُردية في البِلاد، دون اية ادعاءات وخِطابات تقريعية رنانة، تتجاوز واقع وظروف الكُرد السوريين.

فالأحزاب الكُردية السورية، كما باقي القوى الديمقراطية السورية، أنما شيدت ذاكرتها وتطلعاتها السياسية في مناهضة الاستبداد السياسي لا في مناهضة البُنية المُجتمعية. بمعنى أكثر وضوحاً، فأنها كانت تعتبر أن قضيتها هي في النِظام السياسي واجهزته وديناميكيات عمله، وليس في المُجتمع وطبائعه وهوياته وصراعاته الداخلية. عكس الحركات الإسلامية وحزب الاتحاد الديمقراطي والنِظام السوري وغيرها من القوى الشمولية، التي تستقتل في سبيل الهيمنة على القواعد الاجتماعية، أكثر من أي شيء آخر.

الركيزة الأخرى تتعلق بالعُنف، بمُختلف أنماطه واشكاله، الخطابية والسياسية والعسكرية. إذ لم تؤسس أي من الأحزاب الكُردية السورية عالمها السياسي وتطلعاتها ورؤيتها على العُنف، التي كانت على الدوام ضحية له، وأدركت في لحظات اكثر تقدماً بأن واقعها الديموغرافي والجُغرافي لا يسمح لها بأية تجربة من الكفاح المُسلح أو الحروب الأهلية.

تجارب الحروب الأهلية والكفاحات المُسلحة التي تُسرب العنف عادة ليكون واحداً من أدوات وآليات تفكير الحركات التي تقوم بها. لم تقع الأحزاب الكُردية فريسة لذلك، على عكس حزب الاتحاد الديمقراطي، المتأتي والمتراكب مع تجربة حزب العُمال الكُردستاني، الذي خاض وما يزال حرباً مُدمرة مع الفاشية التُركية التحطيمية، حتى أن هذا الحزب صار يخلط بين أشكال العُنف، سواء منه ذلك الموجه لقوى الهيمنة، أو تلك الموجهة للقوى السياسية الكُردية وغير الكُردية النديدة له سياساً.

تتطابق أحوال باقي السوريين مع أحوال هؤلاء الكُرد. فالسوريون بمختلف جماعاتهم وتنويعاتهم لم يختاروا العُنف، لظروف وعوامل تتعلق بطبيعة الجُغرافية والمُجتمع السوري. لكن جميع السوريين ابتلوا بقوى سياسية فرضت العُنف على السوريين، كأداة للهيمنة وتحوير لمركز اهتمامهم ومسألتهم. النِظام السوري وصل لسُدة الحُكم بالعُنف، ثم بقي لعقودٍ يستخدم العُنف في شكل حُكمه للبِلاد ونمط تعامله مع كافة الأزمات التي تواجهه. كذلك كانت القوى الإسلامية، خصوصاً أكثرها راديكالية. التي كانت تُسخف وتحط من قِدر القوى السياسية الأخرى في نفس بُنيتها المُجتمعية، القوى الديمقراطية والمدنية غير العنيفة.

اخيراً، فأن تيار حُكم الأمر الواقع في المُجتمع الكُردي السوري أنما غريب مُجتمعياً وسياسياً عن بُنية هذا المُجتمع. اغتراب على المستوى الثقافي والرمزي. فهذا الحزب يستمد خياراته ووجدانه الجمعي، وحتى خطابه وتطلعاته المُستقبلية، من مسألة تقع خارج الجُغرافية السورية، منطقة أخرى يعتبرها نطاقه وعالمه ومخيلته التأسيسية.

شيء مُطابق تماماً لطبيعة النِظام السوري، الخارجي بالكثير من اشيائه، بشرعيته وديناميكيات عمله ووعيه للمسألة السورية، طبعاً بشيء استخدامتي وغير قليل من إيديولوجية الممانعة والعروبة التي في ضميره الخطابي. وعلى نفس المنوال تسير القوى الإسلامية والقومية السورية وغيرها من الفاعلين السياسيين السورين القمعيين.

لأسباب موضوعية ومنطقية بالغة العمق، تتطابق أحوال الأكراد السوريين تحليلياً مع أحوال أقرانهم الآخرين، وعلى ذلك يجب أن تتطابق ديناميكيات خلاصهم.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...