اليوم الأخير في حياة رشيد

كان رشيد، ورغم شهرته، لا يأبه بالألقاب ولا بالحفلات الكبيرة، كان يُحبّ أن يعزف أمام دكان صديقه هفال مع باقي أعضاء الشلّة أكثر من العزف على مسرح الأوبرا، حلم كلّ الموسيقيين.

في يوم من أيام الصيف الحارّة كان الأصدقاء مجتمعين أمام دكان هفال مثل كلّ مساء، أخرج رشيد آلته الموسيقيّة، غريبة الشكل غير المعروفة في بلادنا، وبدأ العزف. كان أصدقاؤه يرنون إليه بإعجاب، كيف لا، وهو عبقري الموسيقى الذي اعترفت به كلّ الجمعيات الموسيقيّة العالميّة!

في ذلك اليوم استمر بالعزف المتواصل لأكثر من ساعتين، لم يكن يتوقف إلا لثوانٍ معدودة من أجل تدخين بعض الحشيشة ومن ثم يكمل عزف وغناء قصائد كرديّة كلاسيكيّة.

توقف عن العزف فجأة، نظر إلى الملتفين حوله وقال لهم مشيرًا إلى الشارع المقابل: انظروا إلى هناك، بعد قليل ستخرج امرأة فائقة الجمال من ذلك البناء. وبالفعل هذا ما حدث. خرجت أجمل امرأة في الحيّ من ذلك البناء. تعجب أصدقاؤه وسألوه إن كان على موعد معها، وإلا فكيف عرف بموعد خروجها الدقيق.

ابتسم رشيد ابتسامته المعهودة وقال بصوت أقرب إلى الهمس: الإسكافي الذي يقع دكانه في الجهة المقابلة للمبنى كان ينظر إلى مدخل البناء ويضع الصمغ على يده بدلًا من وضعه على جلد الحذاء، لا أحد يفعل ذلك إن لم تفقده امرأة جميلة عقله للحظات. ضحك الجميع لكن صوت ضحك رشيد كان أعلى. قام راقصًا وهو يضحك، دار حول نفسه ثلاث دورات وهو يغني “هو الحب إيه غير ليلة زي الليلة”. توقف رشيد ونظر إلى أصدقائه مطولًا ثم قال بصوت أقرب إلى الصراخ: إنّ الحبّ يشرشر من ثقوب قلبي الكثيرة.

غادرهم مبتعدًا وهو يقول ضاحكًا إنّه قرأ هذه الجملة مؤخرًا في كتاب ما.

بكى رشيد كثيرًا في تلك الليلة وهو يجلس على سطح بيته المؤلف من غرفة واحدة الملاصق للجبل المُطل على المدينة. كان بيته-غرفته هو أعلى بيوت البلد، وهو يبتعد عن أقرب البيوت مسافة مئتي متر. كان الوصول إلى بيت رشيد يعني المشي لساعتين صعودًا من الشارع العام، إذ لم تكن السيارات قادرة على الوصول إلى هناك. لم يكن دخله يسمح له بدفع أجرة بيت غير هذا.

بكى وعزف كثيرًا كما لم يفعل قبلًا، كان صوته حين غنى في تلك الليلة يجرح القلب. غنى بألم وعزف بحرقة سنين الوحدة التي لم يعد يستطيع تحملها. بقي هكذا إلى أن انقطعت أوتار آلته الغريبة. نظر إلى المدينة وصرخ بصوت عال. بعد دقائق قليلة وصلت رنا. كان الوقت يقارب منتصف الليل. وصلت منهكة. قالت له مثل كلّ مرة إنّها تخاف الظلام. سألها، مثل كلّ مرة، لماذا لا تأتي قبل حلول الظلام. أجابت، مثل كل مرة بأنّها لا تستطيع أن تغادر البيت قبل أن ينام والدها العجوز.

كان لقاؤهم روتينًا اعتادوا عليه مذ طُلقت رنا وعادت للعيش مع والدها العجوز الذي يعيش وحيدًا في واحد من أقرب البيوت إلى بيت رشيد، تأتي رنا ثلاث مرات في الأسبوع في منتصف الليل تقريبًا. يتبادلون نفس الأحاديث القصيرة ومن ثم يشربون الشاي بصمت وهم ينظرون إلى أضواء المدينة، وقبل أن ينهي رشيد نصف كأسه الثالث تبدأ رنا بالاقتراب منه تنزع عنه بنطاله وتشرع في مصّ عضوه الذكري، وحين تنتهي يحمل رشيد آلته الموسيقيّة ويبدأ بالعزف حتى شروق الشمس، أي بعد أن تغادر رنا بقليل.

في هذه الليلة وحين بدأت رنا بالاقتراب، باغتها رشيد بسؤالها عن سبب فعلها هذا. قالت له بعد أن عادت للجلوس على كرسيها إنّها لم تفهم سؤاله. قال: لماذا تأتين إلى هنا وتمصين عضوي وتبلعين منيّ، رغم معرفتك بأنّني لا أرغب في ممارسة الجنس؟ لماذا تصريّن على أن تبلعي هذا المني النذل وتمصين هذا العضو الحقير؟ كان رشيد غاضبًا وهو يتحدث.

قامت رنا وحضنت رأسه. بكى رشيد كثيرًا. بقيت رنا تمسد شعره حتى توقف عن البكاء. جلست على الأرض أمامه وقالت له: انظر إلى المدينة، انظر إلى أضوائها، لكلّ شباك قصة ولكلّ شارع حكاية، لكن أهل هذه المدينة أغبياء، لا أحد يعرف عبقريتك. حين سمعتك تعزف للمرة الأولى توقف قلبي عن الخفقان. لم تكن تعزف مثل باقي عازفي المدينة، كان الصوت الذي سمعته لا يشبه شيئًا. بعد أن عرفت قصتك أردت أن أنجب طفلًا منك، لم أكن أريد لعبقريتك أن تختفي عند موتك، أردت لهذه الموسيقى أن تستمر حتى نهاية العالم. لكنك لم تقبل أن تمارس الجنس معي. قلت لنفسي لا بأس، يومًا ما سيرغب وحتى يأتي ذلك اليوم سأبتلع منيه كي أحمل شيئًا منه بداخلي.

انحنى عليها رشيد وقبلها بشدة. كانت تلك القبلة تشبه القبلة الأولى بعد فراق سنين طويلة. في تلك الليلة مارسوا الجنس للمرة الأولى. قبل أن تغادر رنا، قبل شروق الشمس بقليل، طلب منها أن تأتي كلّ يوم. أومأت برأسها موافقة.

حين عادت في اليوم التالي، كانت جثة رشيد ممددة أمامها والدماء متيبسة حولها. كان رشيد قد قطّع شرايين يده اليمنى بعد أن غادرت رنا، وبعد أن عزف مقطوعته الأخيرة.

دفنت رنا جثة حبيبها في الجبل بالقرب من بيته، وكتبت على ما يشبه شاهدة قبره بخط مشوّه ما كتبه رشيد على حائط بيته منذ سنوات طويلة:

لا أحد يموت بصمت

يموت كثيرون وصراخهم لا يُسمع

أحبائي،

اجعل الموت حدثًا صاخبًا.

نبذة عن الكاتب

دلير يوسف

‏ كاتب ومخرج من سورية، مقيم حالياً في العاصمة الألمانية برلين

Loading Facebook Comments ...