غرانس لوكين.. طعم المادلين

إن كنتَ من أنصار النظام السوري فمن المرجّح أن لا تزحزح تلك المقابلة التلفزيونية مع الصحفية الفرنسية غرانس لوكين في رأيك شيئاً، ذلك أن سبع سنوات بحالها كانت كافية لو شئت. وإن كنت من أنصار الثورة السورية فلا شك أن لوكين لن تضيف لقناعاتك شيئاً، فلعلّك عاينتَ، أكثر مما فعلتْ هي، صور “قيصر” مرات ومرات بحثاً عن قريب أو صديق لك في ما تبقى من أجساد مرقمة. لعلّك أيضاً شاهدتَ أو سمعت أو قابلت ناجين من إجرام النظام، فلا حاجة لك للمزيد من الحقائق. لكن، ولذلك بالذات، قد يكون اليأس قد تمكّن منك تماماً، وهنا سبب قوي للاستماع إليها، تروي حكايتها مع سوريا، ففي تلك الحكاية بعض الأمل.

غطت الصحفية الفرنسية لوكين (مواليد العام ١٩٦٦) الحدث السوري منذ العام ٢٠١١ وحتى العام ٢٠١٤، وكانت في العام ٢٠١٢ خاطرت بدخول دمشق بجواز سفر لا يحمل اسمها الحقيقي، وشاهدت بأم العين تظاهرات السوريين في حيي برزة والميدان الدمشقيين.

لكن موضوع مقابلتها الأخيرة على “تلفزيون سوريا” لبرنامج “المنعطف” كان كتابها الذي صدر العام ٢٠١٥ “عملية قيصر في قلب آلة الموت السورية”، الذي تُرجم من قبل إلى الألمانية، ثم أخيراً إلى العربية.

قيصر هو اسم مستعار لشخص سرّب إلى العالم العام ٢٠١٤ آلاف صور لقتلى تحت التعذيب، قضية تتسبب اليوم بدعاوى عديدة مرفوعة ضد النظام في ألمانيا وفرنسا وإسبانيا. ومنذ ظهور تلك الصور تحاول لوكين، كما تقول في هذه المقابلة، أن تُظهِر، مثل قيصر، صوتَ الضحايا إلى العالم. تقول “مع صور قيصر أردت أن أعرف ما يحصل على الأرض، ما لم نسمعه من قبل، فنحن الصحفيين تصلنا عبر وسائل الإعلام صورة سطحية عما يحدث. نحن لم نسمع الأصوات التي تتألم في أقبية السجون. أنا ذهبت للاستماع إليها، لمحاولة إخراج هذه الأصوات إلى العالم”.

لوكين تصف كتابها بالقول “هو عبارة عن عملية تركيب قطع (بازل). هناك شهادة قيصر، وهناك شهادات بعض المعتقلين، وكذلك قصص بعض الأشخاص من سنوات السبعينيات والثمانينيات والناجين من مجزرة حماه ١٩٨٢. كما أنني لم آت من دون معرفة مسبقة. قبلي كانت هناك تقارير لمنظمات حقوق الإنسان السورية. السوريون اشتغلوا منذ بداية الثورة، قاموا بعمل مذهل بشأن هذه الجرائم، وهنا يجب منح التقدير للسوريين”.

لكن الصحافية الفرنسية تعترف أن صور قيصر لم تستطع، على فظاعتها، أن تحرك دول الغرب الفاعلة، وهي لا تتردد في إدانة عدم تحرك الغرب، لكنها تحيله إلى سببين، تعطيل “محكمة العدل الدولية” بالفيتو الروسي، ونجاح النظام في فرض زاوية رؤيا جيوسياسية للصراع، حتى بات العدو الأول هو “داعش” وليس بشار الأسد. تقول “من الصعب أن تشرح للناس أن المجرم الحقيقي هو النظام، وحين تقوم بالإحصاء ستجد أن ثمانية من أصل عشرة ضحايا قتلوا بسبب النظام لا داعش”.

“في هذه اللحظة، وأثناء حديثنا الآن يموت، ربما، شخص في فرع 215 و248، يمكننا سماعهم ونرتعد لذلك”، تقول لوكين، ورغم أنها تعلن سخطها تجاه لامبالاة العالم، لا تتردد في مواجهته “نحن نمضي في مواجهة الرأي العام. بالنسبة لي هو دليل على وجود انحراف في العالم، انحراف في الإنسانية. ترك الأمور تمضي كما هي في سوريا يعني أن العالم ليس طبيعياً. هناك انحراف وشرخ في تاريخنا”. هكذا تصل لوكين إلى الاستنتاج بأن “عدم وجود إنصاف دولي للسوريين يدل أن النظام العالمي معطل، لذلك اتضح أن السوريين إنما يتظاهرون أيضاً ضد النظام العالمي، لقد تمكّنوا من زعزعته أيضاً”.

ولأنها مشغولة أولاً بإنسانية العالم، لا تعوّل لوكين على تحريك الغرائز بالدم وصور التعذيب “أحياناً نرغب بالقول للناس: انظروا للصور، فكروا بالأشخاص الذين في الصور، لا تبالوا بالدماء، ولا بآثار التعذيب، تخيلوا كيف كانوا قبل أن يحدث لهم ما حدث. يجب أن نمضي بفكرنا إلى ما بعد الصور، كي ننجح في منح الإنسانية لهؤلاء الأشخاص”.

بالإضافة إلى كتابها عن “قيصر”، حققت لوكين فيلماً وثائقياً عرضته “الجزيرة” تحت عنوان “شهود الإثبات”، وفيه تتناول الكيفية التي “قرر السوريون فيها إعادة كتابة تاريخهم وتوثيق الجرائم”، إنه تحية لهؤلاء الذين لم يتوقفوا عن العمل في جمع الوثائق وتقديمها للمحاكم الدولية.

لا تفصح لوكين، حين تُسأل، عن تفاصيل عملها الوثائقي المقبل، لكنها تتحدث حول فكرة أن رابطاً يجمع بين تدمير النظام للأحياء والبنايات وعمليات التعذيب. تقول إن هناك صلة بين تدمير البنايات وإيذاء الأشخاص “بمجرد أن تغادر مراكز الاعتقال، إن تسنى لك أن تخرج حياً، لأن الاحتمال الأكبر هو الموت، فستكون مدمراً، تتحول إلى قطع وشظايا، وسيواصل التعذيب إيذاءك لفترة أطول لاحقاً. التعذيب، خلافاً لما نعتقد، لا يهدف إلى دفعك للكلام، بل لإجبارك على البقاء صامتاً”.

لكن إذا كان هذا حديث الصحفية الفرنسية في مقابلتها، تدمير ممنهج للأحياء واستهداف للمدنيين، المخابز، المستشفيات، قتل المعتقلين، أو إطلاقهم قطعاً وأشلاء بلا ذاكرة، إطلاق يد النظام، صمت الرأي العام وسلبيته، كيف نتحدث إذاً عن الأمل، من أين يأتي الأمل؟

قد يكون ذلك انطباعاً شخصياً ليس إلا، لكن يكفي أن يجد المرء سيدة فرنسية لديها هذا الإيمان الراسخ بعدالة الثورة السورية، وحتمية بلوغها العدالة، بالإضافة إلى تصوّرها الواضح وفهمها لما يجري في البلاد، وكيف قدمت نفسها وشغلها كجزء من عملية مستمرة بدأها السوريون في العام ٢٠١١ ولن تتوقف حتى مع “فوز” النظام، كي يترسخ الأمل ببلوغ السوريين العدالة والحرية التي يطمحون إليها.

لكن كيف تفسّر لوكين تَعَلُّقها بالموضوع السوري؟ لماذا آثرت الالتزام بتغطيته كما لم تفعل إزاء الثورة في مصر التي عاشت فيها سبع سنوات، وفيها تعلمت اللغة العربية؟ يسألها المذيع، فتجيب: “لا أعلم. ربما هو شيء في قلبي تجاه سوريا. من الصعب أن نعرف السبب. في فرنسا نقول “مادلين دو بروست” وهذا اسم لأي رغبة تجذبنا من الماضي. وأنا أمتلك رغبتين، هي كريما الفانيليا التي كانت تحضّرها جدتي، والثانية وجبة الرز مع البازلاء واللبن التي تناولتها في دمشق العام ١٩٨٨ عندما زرت عائلة كانت صديقة لأبي”.

ليست وجبة الرز بالبازلاء واللبن شاعرية كما “مادلين دو بروست”، ولكنها ذكرى ما من الماضي، طعم عتيق استطاع أن يأسر سيدة فرنسية ليجعلها تعود إلى هذه البلاد بعد ثلاثين عاماً، في وقت عجز كل حليب البلاد الذي رضعه البعض، كل خبزها، وملحها، و”شوالات” الرز، أن تحضّهم على الوفاء لمطالب يعرفون في أعماقهم أنها عادلة ومحقة.

———————————————-

١-يستحيل أن يشاهد العارف بالشأن السوري هذه المقابلة من دون أن تحضر بذهنه المقارنة بين الصحفية الفرنسية، ومحاورها أنس أزرق، الذي كان، وبالضبط في وقت كانت هي توثق وتكشف للعالم ما يجري في سوريا، يلعب الدور النقيض، يزوّر ويموه حقيقة التظاهرات والقتل الذي يجري بحق السوريين.

 ٢-المادلين كعكة فرنسية، ورد ذكرها في الجزء الأول من رواية “البحث عن الزمن الضائع” لمارسيل بروست، ومن تذوّقها انطلق الراوي إلى ذاكرة الماضي، فباتت المادلين لشهرة الرواية والروائي تحمل اسمه.

نبذة عن الكاتب

راشد عيسى

صحفي وناقد فلسطيني سوري

Loading Facebook Comments ...