كزافييه دولان.. السينمائي الذي “قتل” أمه

تسعة أعوام قُدمت فيها شخصيات ولغة سينمائية خاصة ومتفردة، تفيض بالعاطفة ومختلف المشاعر المتناقضة، الحب والكره، البغض والألفة، الثورة والتمرد، الغضب والتسامح، وغيرها من المشاعر المتضاربة، وجدت لها مكانًأ ضمن سينما تجريبية لاتزال في طور النمو، وفيلمًا بعد فيلم تثبت سينما كزافييه دولان نفسها بمعالجة جديدة وتقديم جديد وتحطيم لعلاقات المجتمعات الإنسانية، وأهمها الأسرة والحب.

“طفل كان المدلل” الذي استحوذ على اهتمام لجنة التحكيم في مهرجانيّ كان وفينسيا السينمائيين بعمر التاسعة عشر، فمن الظهور العالميّ الأوّل، استطاع المخرج والكاتب والممثل الكندي كزافييه دولان لفت الأنظار إليه، وبعد ستة أفلام روائية طويلة مستقلة، أصبح للمخرج الشاب ألقاب عدة لا تفارقه، مثل “طفل كان” و”الشاب الأعجوبة”، مع ستين جائزة وأربع ترشيحات للسعف الذهبية في مهرجان كان ومشاركات بفينيسيا والأوسكار، ليغدو دولان من أشهر المخرجين السينمائيين وخصوصًا بعد مشاركته في لجنة تحكيم مهرجان كان عام 2015.

 بنى دولان وصنع أسلوبه السينمائي دون استهلال أو تحضير طويل، سواء عن طريق الدراسة المختصة أو صناعة أفلام قصيرة، بل دخل السينما من أوسع أبوابها عن طريق فيلمٍ تجريبي طويل كان أساساً لانطلاقته، أساسًأ قام بتطويره ليصل إلى النموذج السينمائي الخاص به.

من فيلمه الأول  I Kill my Mother الذي قدمه عام 2009 في التاسعة عشر من العمر كاتبًا إياه ومخرجًا له وممثلًا رئيسيًا به، قدم دولان ملامح وسمات حافظ عليها في أفلامه التالية، لتصبح أكثر جرأة واتزانًا وتماسكًا، فمع فيلمه الأخير It’s Only the End of the World استطاع متابع المخرج الكندي أن يلاحظ تطوره السينمائي الذي جعله اليوم يقارن بأهم السينمائيين الكبار مثل ويز أند سون Wes Andorson من ناحية تشكيل المشاهد، وجان لوك غودارJean-Luc Godard   من حيث العناية بالتفاصيل، وإنغمار بيرغمانIngmar Bergman من حيث غزارة الإنتاج في مقتبل العمر.

لم يكن دولان دخيلًا على السينما، فوالده ذو الأصول المصرية تادرس دولان مغن وممثل سابق، وكان هو نفسه بطل إعلانات ومسلسلات تلفزيونية منذ طفولته. ثم بات شابًّا في التاسعة عشر يطرح فيلمه الأول ليناقش فيه مفهوم العائلة، التي ستلازمه في أغلب أفلامه لاحقًا، إشكاليات العائلة والمراهقة، وشخصية الأمَ والأبن، والمثلية الجنسية، والهرب والعودة، صراع العائلة الأزلي، مفهوم الحب والتقسيمات الجندريّة في المجتمعات المعاصرة، وتشريح جسد العائلة الكلاسيكية الهش، مواضيع لا تفارق دولان ولكن بطروحات جديدة وفتية، هذه الطروحات التي وصلت الى ذروتها العام الماضي حيث يستعين بنص للكاتب المسرحي جاك لوك لاغارس معيدًا تجسيده سينمائيًا، ليتحول النص المسرحي لمادة سينمائية لا تخلو من الشعرية الصوريّة التي استطاعت أن توازي شعرية لاغارس في نصوص المسرح الفرنسي المعاصر.

أمهات دولان

للأم مساحة كبيرة في سيناريوهات كزافييه دولان، حتى ضمن العناوين: من قتلها في فيلمه الأول I Kill my Mother، إلى تقديمه فيلمًا باسم الأمMommy ، إلى حضورها في كل فيلم من أفلامه تقريبًا، هذه الشخصية المرافقة له بخمسة أفلام هي من أكثر الشخصيات التي نمت وتطورت مع عمله المستمر.

يختلف ويتنوع ظهور الأم كمفهوم في أفلام المخرج الشاب، فتارة نرى الأم المدمرة القاسية، الأم غير الصالحة للأمومة، وتارة الأم المقدسة، وأحيانًا أخرى الأم واهبة الحياة والداعمة، الأم الكلاسيكية، والأم الثائرة على مفهوم الأمومة والحب الأمومي. شخصيات دولان بغالبها تعاني إشكالية اتجاه هذا الحب واتجاه مفهوم الأم المجرد.

الحب الأمومي حب خطير جدًا وقد يؤدي إلى نتائج عكسية لدى الابن، وقد يولد علاقة تصل للطور الأوديبي الذي تحدث عنه سيغموند فوريد، فرغبة الأم في امتلاك ابن ذكر للتعويض عن عدم امتلاكها قضيبًا ذكريًا، ورغبة في الحماية، تولد رد فعل من الطفل، فإما أن يقع في حب أمه ويصل للطور الأوديبي أو تؤدي لردّ فعلٍ عكسيّ، وهذا ما نشاهده مع  أمهات دولان وأبنائهم، فبطل أفلامه دومًا يواجه، ويصطدم مع، كينونة والدته.

وجوه عدة لأمٍ واحدة

التطرق الأول لمفهوم الأم كان عبر فيلم I Kill my Mother  وكيفية قتل الأم بشكل رمزي من ذاكرة ابن يعشقها ويتطبع بطباعها، أم مطلقة تربي ابنها وحيدة، أم مزخرفة وملونة تعشق اللوحات وأجهزة الإضاءة والتفاصيل الكلاسيكية، أم لمراهق استطاع استفزاز المشاهد بكل تفاصيل والدته اليومية. دولان كتب الفيلم في عمر السادسة عشر وفي التاسعة عشر يثبت كاميرا في غرفته أو في الحمام مسجلًا عليها مونولوجات طويلة يوجهها لنفسه وللمشاهد بشكل مباشر، وسيلة دولان لكسر الجدار الرابع دون قسوة وفجاجة، بواسطة فيديو مسجل داخل الفيلم الطويل، ووسيلة مراهق الفيلم للكلام دون الحاجة لشخصية داعمة تجعل بطل الفيلم يصرح، وهذا ما كان أقرب لجيل الشباب وإشكاليتهم، فالمراهق المدلل يصب جلّ إشكالياته على أمه وعلاقتهما ضمن أشرطة مصورة.

“نحن نحب أمهاتنا ولا ندرك عمق هذا الحب، إلا عند الانفصال الأبدي”، يستهل المخرج الكندي فيلمه الأول بتدوين هذه العبارة على الشاشة منتقلًا بعدها لتصوير تفاصيل علاقاته مع والدته، من وجهة نظر مراهق دائم التذمر والغضب يعيش برفقة والدته الكلاسيكية العزباء، يغدو أوبير المراهق رافضًا لشخصية والدته بكل تفاصيلها. أوبير مراهق مثلي الجنس، ينقطع تواصله مع أمه بعد تجاوزه مرحلة الطفولة، فوالدته لم تستطع التعامل مع أوبير كشخص بالغ، ولم تسعَ لتغير السلوكيات اليومية من اهتمامها به ومن سيطرتها على روتين حياته، حبّ التملك الأمومي في مواجهة مراهق لا يطلب سوى المزيد، وخصوصًا بعد تعرفه على والدة صديقه التقدمية، التي تتعامل مع ابنها بحرية مطلقة.

“ما زلت أحبها، ولكنّ ليس بوسعي أن أكون ابنها بعد اليوم”، جملة يقولها أوبير في أحد تسجيلاته، تتنقل بعدها المشاهد لتصوّر ما يلتقطه أوبير من تفاصيل، الفراشات والتماثيل الخزفية، الزركشات، قصة شعر والدته، تناولها الطعام، مكياجها المبالغ به، وملابسها القبيحة بنظره.

أوبير في صراع مطول مع تفاصيل أمه، مع رغبته في أن يستحوذ على اعتراف منها بأنه لم يعد طفلها المدلل، صراع أودى لقطيعة ورفض لكينونتها كأم، بينما الأم في صراع للتملك وللاحتفاظ بابنها على شاكلة الصورة القديمة التي ضحت من أجلها وكرست حياتها لها، وفي ظل غياب الأب وحضوره فقط عند القرارات المصيرية، يعاني أوبير المدلل الكثير، ليلقي باللوم على الشخص الأكثر قربًا، أمه، ويكتب موضوعا أدبيًا للمدرسة بعنوان قتلت أمي.

يستخدم دولان العديد من اللقطات للإيحاء بالحالة النفسية للشخصيات، وهذا الاسلوب حافظ عليه في أفلامه اللاحقة وطوره، فأكثر ما يلفت النظر ضمن صراع أوبير ووالدته ليس الخطابات المباشرة وملاحقة نظرات أوبير بل تجسيد الحالات النفسية بمشاهد متخيلة كمشهد تكسير أوبير للصحون، أو مشهد يصور والدته كأيقونة كنسيّة لراهبة يتساقط من عيونها الدمع دمًا.

يبتعد دولان عن الخصوصية في فيلمه الثاني عن الأم Mommy، الحائز على سعفة مهرجان كان الذهبية مناصفة مع غودار عام 2014، ويقدم فيلمًا يتعاطف به مع معاناة الأم العزباء. أم وابن، في علاقة غير تقليدية البتة، ضمن واقع مفترض، واقع يسمح للحكومة الكندية بحجز الطفل الذي يعاني أيّ اضطراب عقلي أو عنف اجتماعي، ستيف الشاب الذي يعاني من فرط نشاط وغضب وصعوبة تعلم، والأم داي، زوجة عازف الروك المتوفي.

داي الامرأة الصارخة الجريئة، الخمسينية المفعمة بالحياة، بملابسها المتمردة ومكياجها، وشعرها والوشوم على جسدها، بتهكمها وحبها للحياة، والعلكة التي لا تفارقها، وإدمانها على الكحول، تجد نفسها مجبرة على قلب روتين حياتها بعد طرد ستيف من مدرسته الداخلية بسبب إضرامه النار بمقهى، وضرورة الاعتناء به بعد خسارتها عملها.

علاقة ستيف وداي لا تشبه أيّة علاقة روتينية بين أم وابنها، حرّية مطلقة وفوضى، شتائم من كلا الطرفين، والكثير من الضحك والحب، علاقة يشوبها الضجيج، ستيف طفل متعلق بوالدته لحد التملك والغيّرة وخصوصا بعد وفاة والده القاسي، طفل طائش وعنيف وغير قابل للانضباط، طفل بحاجة للحب، وبحاجة للانضباط بجانب هذا الحب، وهو ما عجزت عنه داي الفوضوية، ووجده ستيف بكايلا الجارة والأم الروتينية المفجوعة لفقدانها ابنها.

مشاحنات وصراخ والكثير من الحب والتفهم الملموس من جانب الابن والأم، ولكن داي لم تختر أن تكون أمًّا، ومفهوم الأمومة والتضحية مخالف لنمطية حياتها، هي عاجزة عن التخلي عن حياتها والتضحية من أجل ستيف، حتى وإن كان مراهقًا عاديًا بلا مشاكل واضطرابات، فتتخلى داي عن ابنها وتسلمه للحكومة، حيث يحجز في مشفى ويعامل كسجين ومريض نفسي في آن معًا، ليقوم بعدها الشاب بالهرب أو الانتحار بمشهد لم نعرف نهايته ولكنه دون شك يوحي بقتل الشاب رمزيًا.

يتمرد دولان عبر شخصية الأم داي على المفاهيم الجاهزة حول العلاقات الأسرية، وعلى أنماط الأم التقليدية، ففي فيلمين يتمحوران بشكل مركزي عن علاقة الأبن بأمه، قدم المخرج نموذجين متناقضين إلى أقصى الحدود، وبرفقة ممثلة واحدة لعبت شخصية الأم بكلا الفيلمين: آن دورفال، قدم طرحين نموذجيين مختلفين للأم والابن المراهق، إلا أن ما جمعهما هو الرغبات ذاتها والحب الأمومي ذاته ولكن بطرق تعبير مختلفة.

طرْح دولان تطور كثيرًا ما بين الفيلمين، سواء عن طريق النص أو الأداء أو التصوير والمونتاج، ولكنه حافظ على سمات أبرزها اللقطات القريبة (close-up) لوجوه شخصياته، وتصويره الانفعالات الداخلية بشكل حي ومباشر، وعمد إلى التقليل من الرمزية التي لازمت فيلم  I Kill my Mother  وتعويضها بصراخ مباشر وحوارات في فيلم Mommy، ولكن التطور الأكثر حساسية هو التعامل مع إشكالية الأسرة والأمومة وكيفية اختلاف أسلوب التعاطي مع الإشكالية مع فارق زمني ليس كبيرًا.

في كلا الفيلمين، لا يملك المشاهد خيارًا للتعاطف مع شخصية محددة، فكلا الشخصيتين على سوية واحدة من حيث اجترار عواطف المشاهد، فرغم أنانية أويبر وشخصيته المزعجة إلا أن المشاهد يتعاطف مع نفوره من والدته، ورغم قسوة داي وتخليها عن ابنها، ولكن لا يستطيع المشاهد إنكار حبها له وخاصة في مشهد يصور تخيلات داي عن مستقبل برفقة ولدها، مستقبل تستطيع فيه أن تكون أمًا.

ما يميز فيلم  Mommy ويجعله نقلة في أسلوب دولان السينمائي، هو الجانب الإخراجي، إذّ تم تقليص حجم المستطيل السينمائي ليحتل فقط ثلثي الشاشة تقريبًا، لتكون شخصياته محجوزة على مدى ساعتين ضمن كادر ضيق يشبه الصور الفوتوغرافية، ما ساعد على إيصال حجم التوتر العاطفي والانفعال فيما بينها، فهذا الكادر الضيق لا يتوسع سوى في مشهدين مترافقين مع موسيقى وأغاني، وهما مشهد العودة من السوبر ماركت ومشهد الرحلة البحرية حيث تكون الشخصيات الثلاث في أقصى درجات التفاهم والهدوء.

لم يختفي وجود الأم أو تأثيرها في باقي أفلام دولان، ففي فيلم Laurence Anyways، يقدم دولان لورانس- الرجل الذي يتحول جنسيًا في عمر الثلاثين، الرجل الدائم التشكك في حبّ أمه له، وإن كان هذا الحب محورًا ثانويًا في الفيلم، ولكنه دائم الحضور، فهو يسأل أمه قبل اتخاذه أيّ خطوة “هل ستستمرين في حبك لي إن اصبحت أنثى” ، لتجيبه الأم في نهاية الفيلم أنها لطالما أرادت ابنة.

الفيلم لا يتمحور حول المتحولين جنسيًا، بل يطرح علاقة حبّ بين لورانس وفريد، فريد حبيبته التي ساندته وساعدته للقيام بهذا التحول، وتخلت عنه لرغبتها في امتلاك ابن ورجل، وصارعت طوال النصف الثاني من الفيلم بين حبها للورانس وبين أمومتها لتنتصر غريزة الأمومة لديها.

نهاية العالم ليس إلا، وهشاشة العائلة

يعدُّ فيلم دولان الأخير It’s Only the End of the World من أفضل ما قدمه المخرج الشاب، وأكثر أفلامه تماسكًا من ناحية الشكل الإخراجي والسيناريو والتمثيل، ففي هذا الفيلم يخضع دولان سينماه التجريبية لقواعد كلاسيكية، ويقدم معالجة سينمائية لنص من المسرح الفرنسي المعاصر. يحوّل المخرج الكندي شروط النص المسرحي وخصائصه لصورة سينمائية جديدة وتمتاز بشعرية عالية، شعرية استطاع إيصالها عن طريق مكان يفيض بالتوتر وأجساد حبيسة فيه تعجّ بالثرثرة.

مع مشاركة من أهم نجوم السينما الفرنسية مثل نتالي باي فينيست كاسيل وماريون كوتيار وليا سيدو، حاز الفيلم على جائزة مهرجان كان لعام 2016.

يصور دولان عودة الابن لويس بعد قطيعة دامت اثني عشر عامًا، ليكون الدخيل على حياة عائلة اعتادت وجوده بواسطة البطاقات البريدية في الأعياد. يعود لويس الكاتب المسرحي حاملًا نبأ موته بالسيدا، ولكنه يلتزم الصمت المزعج المستفز، ليظهر أنانيًا حتى في موته. بعودة الابن يتوتر روتين العائلة المستقرة، فمن أمٍ وشقيقة صغيرة متشوقتان لرؤيته، إلى انطونيو الأخ الحاقد والناقم وسريع الغضب، وزوجة أخ غريبة تحاول تخفيف التوتر بالأحاديث العشوائية.

الكل يخاف من الوقت الذي يمنحهم إياه، ويتساءل الجميع عن سبب هذا الوقت، ولكن اللقاء الأول وعدم الألفة لا يخلق سوى ثرثرة لا طائل لها، ثرثرة تحل مكان الأسئلة الخاصة والحقيقة، ثرثرة تحاول أن تصنع جوّاً وهميًا من الألفة، وتحاول تصوير عائلة طبيعية متخيلة، ولكن هذه الثرثرة اكتفت بتفجير ثقوب في الذاكرة تهدد صورة العائلة الحالية.

هذا الدخيل الأناني الذي ترك عائلته بعد وفاة والده ليعيش عالمه الخاص مخلفًا وراءه عبء البقاء للأخ الأكبر، ومخلفًا أختًا صغيرة نمت وترعرعت بعيداً عنه، وأمًّا تحاول عبثًا تكوين صورة للابن المفقود في ذاكرة أخوته ليبقى جزءًا من العائلة.

الكل بحاجة لأجوبة، ولكن لا احد يجرؤ على السؤال، ماعدا الأم التي تختلي بابنها الدخيل لدقائق مخبرة إياه بما عليه أن يفعل، الأم الأكثر تفهمًا وتقبلًا لأبنائها الثلاثة، المتعاطفة مع غضب الأكبر وحقه في أن يصنع حياته بمعزل عن الأسرة التي أُطرّ لأن يكون رجلها، وهي الأكثر تفهمًا لحق الأخت الصغيرة في الهرب والسفر كما فعل أخوها سابقًا، والأم هي من تعرف أن من حق الجميع الحصول على أجوبة ووعود للمستقبل وتفسير للماضي الغائب.

هي لم تطلب شيئًا ولم تسأل لماذا تلك القطيعة، بل اكتفت بالتعبير عن حبها الذي لم يختف لابنٍ هجرها.

وكما حال أمهات دولان، لم تكن سوزان مختلفة عنهم، المرأة الملونة والعشوائية، الكثيرة الكلام، والمبالغة في مكياجها واعتنائها بنفسها، لم تنسَ تجفيف طلاء أظافرها قبل أن تقوم بالترحيب بابنها العائد، هي المرأة القوية التي لم تنهار رغم كل الصراخ والمشاكل التي اشتعلت في فضاء المنزل، كانت أكثر من حافظ على رباطة جأشه أمام موقف يهدد أمن عائلة مستقرة ضمن روتين معين.

ولكن المخرج لم يجعل لها المكانة ذاتها في العائلة، وهذا بحكم تقيده بنص معين، فالأم لم تكترث لأحاديث الابن حول المستقبل وأحاديث أخوته حول بقائه أم لا، ولم تعرف سبب مجيئه. الموت كان يسيطر على كل جوانب الحديث بشكل غير مباشر، إلّا أن أحدًا لم يتطرق له، فلم يعلم أي منهم سبب عودة الأخ سوى زوجة الأخ الغريبة، حيث يكتفي لويس بوضع إصبع على فمه طالبًا منها أن تلتزم الصمت حول ما عرفت، ويرحل غريبًا كما عاد.

نجح دولان في إغناء النص بواسطة الصورة، رغم ضيق المكان وكثرة المشاحنات، إلا انه أضاف تفاصيل صورّية عبرت بشكل غير مباشر عن شعرية النص وكان لها تأثيرها الخاص، فالعمل صور في فضاء ضيق محدود، وهو فضاء المنزل المشحون بالغضب والتساؤل، وكانت الفرصة الوحيدة للشخصيات للهروب من هذا الفضاء هي الخروج للحديقة الواسعة، إضافة إلى الديكورات والإضاءة الصفراء والبرتقالية لتوصيف حر الصيف ولرصد ساعة زيارة الابن الدخيل من الصباح حتى غروب الشمس. حقق دولان، عبر عزله لشخصياته بهذا الفضاء المحدد، انطباعًا بصريًا لخذلان الحياة للشخصيات، هذا الانطباع المتواجد في النص الأصلي للاغارس، جعل أجسادًا تفيض بالثرثرة حبيسة سجن الأسرة الهش الذي سرعان ما تحطم عند عودة الدخيل.

دولان يعتني بكل تفاصيل أفلامهن فدومًا تكون مشاهده أشبه بصور فوتوغرافية متحركة سواء بسبب اللون أو الإضاءة أو الديكور، إضافة لاهتمامه بالموسيقى المرافقة للفيلم، فلا يخلو فيلم من أغنية معروفة ومقاطع موسيقية مشهورة مختارة لتعبر عن شخوص المخرج الخاصة والفريدة دائمًا.

مفاهيم العائلة والحب في سينما دولان مفاهيم تراجيدية قائمة على التملك، ومن المؤكد أن أيّ شذوذ عن تابوهات العلاقات الأسرية الثابتة أو علاقة الحب سيكتشف واقع مأساوية هذه العلاقات الذي يختفي بسبب الروتين اليومي.

نبذة عن الكاتب

دانة كريدي

صحفية سورية

Loading Facebook Comments ...