السوريون ورثة الخسران

المقال الصوتي:

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

– – – –

سواء داخل سوريا أو خارجها، ثمة مئات الآلاف من السوريين الذين صار “الخُسران” يُشكل ضميرهم الأكثر عُمقاً. فهؤلاء يستجمعون في ذواتهم أنواعاً مُركبة من الشعور بالخُزي والخديعة والتخلي الذي مارسه العالم معهم، العالم بدوله ومؤسساته وقواه السياسية والثقافية. حتى أن الغالبية المُطلقة منهم، بالذات من الأجيال التي تتراوح أعمارهم بين العشرين والأربعين عاماً، صارت هذه الغالبية تعيّ وتُعرف وتُحدد العالم بدلالة هذه الأفعال التي مارسها تجاه السوريين، تجاههم. فالعالم قاسِ وغير مُبالٍ بالنسبة لهم، وفي مرات غير قليلة هو عالم مُتآمر وعدواني، ورُبما عدو.

شكلت الثورة السورية ومآلاتها مُنطلق هذه العلاقة القلقة بين ورثة الخُسران السوريين هؤلاء، وبين العالم. فهؤلاء كانوا يعتبرون أن الثورة السورية تمثل وعيهم ومساهمتهم ودورهم في حركة التاريخ وفي نمط علاقتهم مع العالم. حتى أن الكثيرين منهم صاروا يعتبرون أن الثورة السورية هي هديتهم لهذا العالم.

فبالضبط كما شعرت أممٌ خاصة بأنها أهدت البشرية نماذج ومبادرات إنسانية عظيمة، سواء على المستوى العلمي أو الفكري أو السياسي، ثُم صارت فيما بعد إرثاً عالمياً وإنسانياً مُطلقاً. كذلك بالضبط كان يشعر السوريون تجاه ثورتهم، التي كانوا يعتبرونها مُحملة بكُل القيم السامية، التي تحدت نِظاماً سياسياً مُطلقاً في وحشيته وطائفيته وعدوانيته تجاه مُجتمعه الداخلي ومُحيطه وكذلك العالم. لأجل ذلك بالضبط، كانوا يتوقعون كُل اشكال المؤازرة والتضامن، وحتى الانخراط، من قِبل هذا العالم تجاه قضيتهم، لكن العكس تماماً هو الذي حدث.

ثمة طيف واسع من التحولات الصميمية التي ستطال شخصية وهوية هؤلاء، يُمكن رصدها بأربعة نماذج واضحة المعالم، تشكل كُل واحدة منها نمطاً من أنماط الاعتداء على شخصياتهم وسياقات حيواتهم، التي ما كان لها أن تكون كذلك قط، لولا هذا “الخُسران”.

سينزاح جزء واسع منهم نحو اشكالٍ راديكالية من التدين، الذي سيغدو الديناميكية الوحيدة المُرشدة والمُفسرة للعالم بالنسبة لهم، بالإضافة إلى كونه، أي الدين، منصة حنونة للطمأنينة العالية، التي يحتاجونها في كُل حين. هذا التدين الذي سيسخرونه للغاية، ليتمكن من تفسير هذا الخُسران، ورُبما لتجاوزه، ولو بشكلٍ ظاهري.

هؤلاء الذين لولا هذا الخُسران، فأنهم كانوا سيحيون ضمن فضاء من التدين الاجتماعي، الذي يرى في الدين مجموعاً من العبادات والروحانيات والسلوكيات الأخلاقية، دون أية طائفية أو مركزية، أو حتى عدوانية تجاه العالم.

النمط الثاني منهم سيبنون شكلاً من التدين العلماني، بالذات تجاه العالم. إذ سيعتبرون بأنه وراء الأحداث الظاهرة ثمة مؤامرة كونية كُلية، تقودها قوى وأنظمة وشركات وجهات عالمية، تُريد الإطاحة بنا، نحن الذي نُشكل مزيجاً من الشرق والهوامش والفقراء والمناهضين للإمبريالية. فالعالم بالنسبة لهم، ولأسباب مفهومة، سيغدو غامضاً بطريقة مُركبة، بشكل يتجاوز بما هو عليه بالنسبة لأكثر المُنتمين للتنظيمات الدينية الراديكالية.

ستسعى فئة ثالثة من هؤلاء إلى اصطناع اوطان بدلية، غالباً لن تكون على شكل اندماج في دولة أو مُجتمع ما بذاته. سينتمي هؤلاء إلى مُنظمات ومؤسسات عالمية عابرة للدول، سيندمجون ويُغرقون في آلياتها وخياراتها وخطاباها، التي قد تختلق لهم قضية وفضاء روحياً بديلاً عما خسروه في قضيتهم السورية.

رُبما يعتقد هؤلاء في باطن ذواتهم بأنهم إنما يسعون لـ”تصحيح العالم”، الذي لم يكن نبيلاً وصادقاً بما فيه الكفاية في تعامله مع قضيتهم. أو قد يعتقدون بأنهم من خِلال نشاطهم في التنِظيمات والمؤسسات الدولية هذه، أنما يتابعون نضالهم في سبيل مسألتهم السورية التي كانت، وإن بإشكالٍ وأدوات أخرى تماماً.

سيكون الخُسران الأكثر قسوة على نمط خاص من السوريين، هؤلاء الذين سيجدون أنفسهم مُجبرين على إعادة صياغة علاقتهم مع مؤسسات وخيارات وأجهزة النِظام السوري. فهؤلاء سيُمرغون في تجربة قاسية، تُجبرهم على رجم خيارهم الذي كان، وإعادة تأهيل النِظام السوري، بكُل سلوكياته ووحشيته، التي كانت رُبما ضد هؤلاء بالذات، ليعودوا لإستمراءه وقبوله.

سيخوض هؤلاء حرباً ثانية على ذواتهم ورُبما مُحيطهم الاجتماعي، لكنهم رُبما لن يجدوا سبيلاً غير ذلك، بالذات بالنسبة لآلاف الموظفين المُندمجين في المؤسسات البيروقراطية للنِظام السوري، الذين لا يعرفون درباً لكسب رمق الحياة بغير ذلك.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...