السلامة النفسية لرواد فيسبوك وظاهرة مهند الحميدي

بعد حادثة المخرج السوري محمد بايزيد (تشرين الأول 2017)، والتي أراد منها بحسب فيديو مُسرب عنه، أن يفتعل “بظ” إعلامي له لحشد أكبر عدد من المتعاطفين معه بهدف تمويل فيلمه الذي يتناول سوريا، تغيرت وجهة نظر عدد كبير من الشباب السوري حول رواد أو ما يسمى “مشاهير” مواقع التواصل الاجتماعي، حيث أبدى الكثير منهم ردة فعل عكسية حول ظاهرة المشاهير.

لاحقًا، بدأ العزوف عن المشاهير، والذين يعتمد معيار شهرتهم على عدد المتابعين والمشاهدات التي يحصدونها من خلال نشر أعمالهم أو صورهم ذات الابتسامة العريضة، والبحث عن أشخاص آخرين يتسمون بالبساطة والعفوية وعدم التكلف والكذب وخداع المتابعين بإظهار ما يريدون إظهاره فقط من حياتهم والتي تم اختزالها بالمؤتمرات والسفر والنجاحات وصور لتذكرة الطيران.

فالحياة ليست فقط صورة كما يقول محمد عبد الرحمن صاحب محل جوالات في بلدة الغندورة بريف حلب الشرقي.

خاب ظن الكثير من الشباب السوري، وتراجع التماهي مع شخصية عامة يرون فيها مثالًا وقدوة عن النجاح ويسعون لاكتساب المعرفة منها وتقليدها ببعض الأمور، بالمقابل خدع الكثيرون من مشاهير فيسبوك متابعيهم وأظهروا جانبًا محددًا من حياتهم ونجاحاتهم، كتلك التي تُظهر من حياتها فقط الحب والتكامل بالحياة الزوجية ومشاركة المتابعين أدق تفاصيل الحياة الزوجية ونشر صور لمحطات من عواصم العالم العربي والغربي، وما أن يحدث الطلاق بينها وبين زوجها أو تترك عملها، تغيب عن فضاء مواقع التواصل الاجتماعي، وكأن الحياة تختزل فقط بالإسهاب بتعدد فرص النجاح وعدم ذكر أسباب الفشل، والإيضاح للمتابعين وتفادي الوقوع بنفس الغلط الذي وقَعت أو وَقعَ به ذاك ” المشهور”.

“من يشركنا بأدق تفاصيل حياته الناجحة، لماذا لا يشركنا بأدق تفاصيل تجاربه الفاشلة، لربما نستفيد من الثانية أكثر من الأولى، وكما يقال درهم وقاية خير من قنطار علاج”، يقول لي عبد الرحمن صاحب محل تصليح الجوالات في تلك البلدة الريفية النائية شمال سوريا.

تأطير الحياة وتقديمها بشكل محدد وجانب واحد لمتابعي فيسبوك، حيث يستشهد بهم ذاك “المشهور” ويعتبرهم معيار شهرته بذكر عدد تعليقاتهم وعدد “لايكاتهم” بكل محضر، بل ويستخدمهم كمعيار نجاح بالرد على خصومه في حال تناقش مع شخص آخر بقضية ما، كل هذا  يراه بعض المتابعين خداعًا لهم ومنتجًا مسمومًا يقدمه ذاك “المشهور” لمتابعيه الذين يستشهد بهم ويعتبرهم معيار قوته.

وكثير ما يستشهد رواد البث المباشر على موقع FACEBOOK بعدد المتابعين لهم للرد على خصومهم وضيوفهم ومن ينتقدون فكرهم.

“كيف لشاب لا يستطيع الحصول على بطاقة شخصية، ولا على جواز سفر لأنه مطلوب للخدمة العسكرية الإلزامية في صفوف جيش الأسد أن ينشر صورة له تحت برج إيفل وهل التقاط صورة بالقرب من ساحة ما بعاصمة ما هو معيار للنجاح كما يتم تصديره لنا؟ لا أستطيع أن أكون ناجح من الغندورة؟!”، يقول لي عبد الرحمن بامتعاض، وهو يخبرني عن هواجسه ومشاعر الكره والحقد التي يحملها تجاه أسماء كثيرة من خلفيات سياسية وفكرية سورية مختلفة، الرابط المشترك بينهم هو التقاط الصور من الساحات العامة لعواصم هذا العالم، يخبرني عبد الرحمن، أن خداع من يسميهم “مثقفي سورية” كانت درجة وخطوة للشهرة التي حققها مهند حميدي وغيره من أصحاب المحتوى الذي يراه البعض شعبيًا، ولكن يراه البعض من منظور آخر، ألا وهو أن محتوى أمثال الحميدي يحمل معه العفوية والصدق وعدم التكلف، وما سبق صفات كافية لجذب المتابعة وتقبلها، وإن كان المحتوى “سيء” ولكنه صادق والعكس هنا ليس صحيحًا.

أرسل لي صديقي ذات يوم، وبعد المشكلة التي وقع بها “البايزيدز”، منشورًا لشاب أردني يحذر رواد مواقع التواصل الاجتماعي من رجل أردني يشبه بتصرفاته تصرفات “البايزيدز”، وعَقّب صديقي برسالته أن أمثال محمد بايزيد لن يستطيعوا خداع المتابعين بعد الآن، وأن عزوف الشبان والشابات عن أمثال هؤلاء كان نتيجة الوهم الذي يبيعه هؤلاء لمتابعيهم في المقام الأول.

نبذة عن الكاتب

خليفة الخضر

مواطن صحفي مقيم في الشمال السوري

Loading Facebook Comments ...