موت الدبلوماسية: السعودية تعاقب كندا

في أقل من 48 ساعة صعدت الرياض من إجراءاتها العقابية ضد كندا بشكل غير مسبوق، على خلفية تعليقات وزارة الخارجية الكندية على ملف حقوق الإنسان السعودي. فبعد طرد السفير الكندي في الرياض، وسحب السفير السعودي في أوتاوا، والإعلان عن تجميد العلاقات التجارية والاستثمارية المستقبلية، تم الإعلان عن إيقاف الرحلات الجوية بين البلدين، واستدعاء أكثر من 8 آلاف من الطلبة السعوديين المسجلين في الجامعات الكندية، وأسرهم للعودة إلى البلاد. بل وأصدر الديوان الملكي السعودي أمرًا بإيقاف علاج المرضى السعوديين في كندا، ونقل من يتلقون العلاج حاليًا في مشافيها إلى دول أخرى.

وبالطبع، فإن التسارع الدرامي للقرارات السعودية يبدو غير متناسب مع الأزمة التي اشتعلت بسبب تغريدة من حساب السفارة الكندية لدى الرياض على موقع تويتر. وفي الماضي، اعتادت الرياض على التعامل مع الانتقادات الغربية لسجلها الحقوقي خلف الأبواب المغلقة. إلا أن الإجراءات السعودية الأخيرة ليست مجرد خروج عن العرف فقط، ومبالغة في الرد الفعل لا تتناسب مع الحدث، لكنها أيضًا تبدو بلا جدوى. فكندا ليست شريكًا تجاريًا هامًا للسعودية، وحجم التبادل التجاري بين البلدين لا يتجاوز 4 مليارات دولار، أي ما لا يزيد عن ربع بالمئة من حجم التجارة الكندية الإجمالية. وبلا شك فإن فشل العقوبات السعودية التي فرضتها، مع حلفائها الخليجيين، على جارتها قطر، تقدم دليلًا كافيًا على أن إجراءاتها ضد كندا ستكون بلا تأثير. وعلى العكس، فإن الضرر المتوقع من الأزمة الحالية، سيقع على السعودية ومواطنيها. فغير الألوف من الطلبة والمرضى وأسرهم الذين سيتحملون العبء الأكبر، فإن الصورة التي تسعى السعودية لترويجها عن نفسها مؤخرًا ستتأثر بشكل كبير. فمحاولة اجتذاب الاستثمارات الأجنبية، بعد أن هبطت إلى أدنى مستويات لها في الـ 14 عاما الماضية، ستواجه تحديًا جديدًا. وقطع العلاقات بشكل كامل على خلفية تغريدة، لن يكون علامة باعثة للثقة لدى المستثمرين الغربيين أو غيرهم. أما النموذج “الإصلاحي” والمنفتح الذي تسعى السعودية لتقديمه عن نفسها، فلا يبدو أنه بأي حال في وضع أفضل.

وعلى الأغلب، فإن السلطات السعودية، مدركة لكل تلك الحسابات، لا تسعى للضغط على كندا لدفعها لتغيير موقفها، بقدر ما تهدف لوضع قواعد جديدة لشكل علاقاتها بالغرب. فاختيار كندا، لإظهار الغضب السعودي، جاء مرتبطًا بحقيقة أنه لا توجد مصالح مشتركة كبيرة بين البلدين، وأن خسارة كندا لا تعني الكثير.  تعلن السعودية عن أنها لن تتسامح أو تقبل أي نقد لأوضاعها الداخلية أو سياساتها الخارجية، فبعد إيقاف كل من ألمانيا والسويد لصادراتها من السلاح للرياض، على خلفية تجاوزاتها في ملف حقوق الإنسان والحرب في اليمن، يجعل النظام السعودي من كندا نموذجا لردع شركائها الغربيين.

 أما نجاح تلك العقوبات من عدمه، فلا يبدو ذو أهمية. فمن الكافي، أن تضع السعودية نفسها في مركز الدولة القادرة على شن الحروب، وفرض العقوبات إقليميًا ودوليًا. فبعد الحرب في اليمن، وحصارها الاقتصادي لقطر، ونجاح مساعيها لإعادة فرض العقوبات الأمريكية على إيران، فإن إعلانها لعقوبات مباشرة وفورية، على دولة عضو في حلف الناتو، ككندا، مع تضامن دبلوماسي عربي، يعزز صورتها كقوة إقليمية “عظمى”. ويدعم ذلك التصور، طموحات ولي العهد السعودي، في تعزيز سلطاته ورفع شعبيته داخليًا.

إلا أنه لا يجب تصور الأمر، بوصفه نتيجة لطموحات ولي العهد، أو السياسات السعودية شديدة الخشونة وغير المتوقعة بشكل عام مؤخرًا، فللأمر علاقة بالوضع الدولي الأكثر شمولًا، وكذلك بما أطلقت عليه محطة “سي بي إس” الأمريكية بـ “تأثير ترامب”. فموقف الإدارة الأمريكية الحالية غير المعني بسجل حقوق الإنسان، بالإضافة إلى الانتقادات اللاذعة التي وجهها دونالد ترامب لرئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو في قمة السبع الكبار الأخيرة، وكذا الحرب التجارية التي اندلعت بين الولايات المتحدة وكندا، كل هذا شجع السلطات السعودية لتصعيد خلافها مع أوتاوا. وموقف الدول الغربية، لا يبدو مفككًا أكثر من هذا، منذ نهاية الحرب الباردة. فالولايات المتحدة تراخت في أن تدعم جارتها الشمالية، وحليفها الأقرب، في خلافها مع السعودية، وبدلا من هذا صدرت تصريحات محايدة، تدعو الطرفين لتصفية خلافاتهما فيما بينهما. أما الاتحاد الأوروبي، فباستثناء بيان وقع عليه بعض أعضاء البرلمان الأوروبي، لم يعلن موقفًا واضحًا من القضية، ويبدو مشغولًا بحربه التجارية مع الولايات المتحدة وتحديات إعادة فرض العقوبات الأمريكية على إيران.

وفي خضم هذا كله، تظهر قواعد الدبلوماسية، كما عرفناها لوقت طويل، وترتيبات السياسات الدولية وتوازناتها، تتداعى لصالح منظومة هشة لا يمكن التكهن بتقلباتها شديدة العنف والصدامية.

نبذة عن الكاتب

شادي لويس

كاتب وباحث مصري، حاصل على شهادة الماجستير في علم النفس من جامعة إيست لندن، يكتب المقال في عدد من المواقع والصحف العربية

Loading Facebook Comments ...