استقتال الأسدية في سبيل الحتمية

المقال الصوتي:

– – – –

لا يُشكل الوثائقي الطويل، والسمج، الذي تبثه قناة الميادين المُمانعة، عن تاريخ سوريا والمنطقة “الرجل الذي لم يوقع”، الذي يسرد سيرة خاصة وذاتية عن حافظ الأسد، لا يُشكل إلا واحداً من سلسلة طويلة من الخيارات والمؤسسات والسياسات والفروض التي انتهجها النِظام الأسدي، ومعه التيارات الرديفة له، في سبيل اختلاق سياق تاريخي من المُعطيات والحوادث والتفسيرات التي تؤسس وتفرض في المُحصلة وعياً جمعياً على الخاضعين لها، تعتبر أن الأسدية هي مُحصلة الصلاح بالنسبة لنا، نحنُ السوريون والعرب وأبناء المنطقة، ورُبما العالم.

استخدمت الأسدية حتمية صلاحها المُطلق على الدوام بمستويين اثنين: من جهة لتغطية هزائمها وتواطأتها الدائمة مع القوى الدولية والإقليمية، التواطؤ الذي كان يتباين، ورُبما يتناقض تماماً مع خِطاب الأسدية القومي والوطني والمُمانع. فما كان يجب أن يحتل موقع التفكير والتداول على الدوام كان يجب أن يتمركز حول صلاح الأسدية المُتخيل، وأن يُهمش بالمقابل كُل ما قد يخلخل ويُعكر ذلك، أي تداول السياسيات والاستراتيجيات الفعلية التي تُنفذها نفس الأسدية.

المستوى الآخر كان يتقصد رفد التسلط والقمع السياسي بخطاب من الهيمنة الذهنية، تفرض نمطاً من القراءة السياسية والتاريخية على الخاضعين، أن تُجبرهم على إظهار أعلى درجات الوعي والتماهي مع تلك القراءة، أياً كانت حقيقة آرائهم ووعيهم الموضوعي. فالمُهم في المُحصلة كان اختلاق وفرض نمطٍ من القراءات والخطابات على الفضاء العام للخاضعين.

بهذا المعنى بالضبط، فأن الأسدية بأحوج لحظاتها لفرض تلك الحتمية. فراهناً تتراكب ذروة هزيمة الأسدية لمناهضيها السوريين على المستوى المحلي، مع ذروة انخراطها في تواطأتها الإقليمية والدولية، بالذات مع إسرائيل. لذا بالضبط، فأن الأسدية تستقتل في سبيل صياغة وتشييد مُعطيات جديدة من الخطابات الحتمية، التي تتقصد خلق سياق تاريخي من المرويات، ترى الأسدية كضرورة ونتيجة وجوهر مُطلق لحركة الأحداث في سوريا والمنطقة.

طبعاً لا تكتمل تلك المروية الأسدية إلا بمروية مُضادة مُختلقة أخرى، ترى السواد الأعظم من السوريين ككُتلة من الأشرار المتآمرين على بلدهم، يعاونون قوى إقليمية ودولية مُستقتلة في سبيل تحطيم الأسدية.

على أن هذه الحتمية الأسدية لا تتأتى من الفراغ، بل ثمة ثلاثة منابع جوهرية ترفدها على الدوام، تأطرها وتمنحها الشرعية التي تحتاجها، وتخلق الديناميكيات الخطابية والسياسية التي تستند عليها الأسدية في ديمومة ذلك الفعل:

تستند الأسدية من طرف رئيس على تراث البعث الإيديولوجي والخطابي القومي والوطني الإطلاقي. فإن صح أن الأسدية في مراحلها التأسيسية قد همشت، ورُبما حطمت، الأجهزة والفاعلية والدور الذي كان يقوم به حزب البعث في المرحل السابقة للأسدية، واستبدلته بأدوار للجيش والأجهزة الأمنية والعلاقات العائلية والطائفية، لكن الأسدية حافظت على الدوام على البُنية العميقة لرؤية وخطاب ومُخيلة حزب البعث، وإن كانت قد حورت بعض مضامينه بشكل فعلي، فالرسالة الخالدة للأمة العربية استعيض عنها بالقائد الخالد حافظ الأسد، ونضال الأمة العربية استعيض عنه بسياسة وشعارات المُمانعة. وكما أقصى وحطم البعث أبناء التشكيلات القومية والأثنية الأخرى، فأن الأسدية أقصت وحطمت خصومها السياسيين.

المنبع الأخر كامنٌ في ديناميكية عمل مُخيلة تيار المُمانعة، الذي يقوم على فكرة مُبسطة وساذجة، تعتقد بأنه ثمة قوى عالمية تعادي أمتنا ومنطقتنا، وأنه ثمة تشكيلات واسعة من مُجتمعاتنا الداخلية مُشتركة في هذه المؤامرة، لذا فأن مواجهة ذلك يجب أن يبدأ بمواجهة المتآمرين الداخليين “يهود الداخل”، للتهيؤ للمواجهة الكُبرى مع الخارج، مرحلة التهيؤ التي قد تطول لعقود، ورُبما لقرون، حيث يكفي طوال هذه المرحلة مواجهة هذه القوى الخارجية على المستوى الخطابي فحسب.

تختلق الممانعة المحاججة النظرية لهيمنة الحتمية الأسدية، وإن كانت محاججة ساذجة ومتهالكة، لكن المُهم في المُحصلة هو الاستناد على مرجعية سياسية نظرية ما، أياً كانت.

أخيراً فأن الحتمية الأسدية تستند على طبيعة الطبقة الاجتماعية السياسية المُحيطة بالأسد، التي ترى في استحواذها على منابع المال والمؤسسات والقوة والمركزية في البلاد، ترى هذا الاستحواذ الذي يجب أن يخول هذه الطبقة لأن تُسيطر وتُهيمن على المجال العام والمحكومين. فبحكم المنطق، يرى هؤلاء بأن الأقوى والأكثر تمكناً يجب أن يهيمنوا على بقية المحكومين، الذين ليس لهم أية جدارة وشرعية وأحقية في الحضور، وأن الخضوع للأسدية هو خيارها الوحيد. الأسدية التي تُشكل ذروة تضامن وتماسك وهوية وذات المنتمين إلى طبقة الهيمنة هذه.

رُبما لأجل كُل ذلك بالضبط، فأن الأسدية غير قابلة لأية شراكة أو تواطؤ مع المكونات السياسية الداخلية الأخرى، لأن أي مس بالحتمية الأسدية، أنما يعني تحطيم الأسدية بكُليتها.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...