الإعلام السوري البديل بين لافتات كفرنبل وتلفزيون سوريا

بداية تجب الإشارة إلى أن المقصود بالإعلام “البديل” في هذه المقالة ليس فقط الإعلام الذي يستخدم وسائل مختلفة عن تلك التي يستخدمها الإعلام التقليدي. الغاية هنا الحديث عن الإعلام بكليته، كائنة ما كانت الوسيلة التي يستخدمها. أما كونه بديلًا فهذا يعني بشكل رئيسي، في هذه المقالة، أنه بديل عن الإعلام الرسمي الذي بقي مهيمنًا على الصورة الإعلامية في سوريا حتى عشية ثورة 2011.

يمكن القول بأن الإعلام كان السلاح الأشد مضاء بيد ثوار سوريا خلال بواكير ثورة 2011. بأدوات بسيطة جدًا، كاميرات الموبايلات؛ ومنصات متاحة للجميع، وسائل التواصل الاجتماعي؛ استطاع ثوار سوريا خلق حالة إعلامية، بديلة بكامل المعاني هنا. ولكن ليس بدون تضحيات طالت أرواح أولئك الذين خاطروا وخرجوا إلى الشارع ليس فقط من أجل المطالبة بإسقاط الطاغية، بل وأيضًا لنقل أصواتهم وصورهم إلى العالم كله. “الناشط الإعلامي” هنا لم يكن “وسيطًا” مهمته نقل أو “ترجمة” الحدث للمشاهدين فقط، بل كان أيضا جزءًا من الحدث نفسه. ولم يلبث الأمر أن تطور إلى مبادرات أكثر انتظامًا واستقلالية عن الحدث، كونها تعتمد على عمل القائمين عليها دون الاكتفاء بالنقل المباشر للحدث. كانت تلك المبادرات محاولة لـ “ترجمة” الحدث، أي انتقال إلى إعلام الرأي بعد أن كان العمل الإعلامي يقتصر على نقل الخبر، والمشاركة في صنعه أيضًا.

الصيغة الأكثر بروزًا ونجاحًا مع فكرة مبتكرة مدهشة وملفتة في ذلك الوقت، كانت لافتات كفرنبل. شكلًا ومضمونًا كانت هذه التجربة فريدة فعلًا في كامل تفاصيلها وتفوقت فيها على ما سبق من محاولات لمجاراة الحدث وتقديمه بصورة دقيقة مكثفة وصادقة إلى أبعد مدى ممكن. إذ عبر أدوات بسيطة، سبق استخدامها في ميدان التحرير في القاهرة، كانت اللافتات هي الأداة الرئيسية للتعبير عن موقف مما يحدث في سوريا وأحيانًا إلى أبعد مما يحدث في سوريا، سواء أكان مركز الحدث كفرنبل نفسها، أو الغوطة أو دير الزور أو حمص، أو حتى مدينة بوسطن في الولايات المتحدة، بعد حادثة التفجير الإرهابي خلال ماراثون تلك المدينة عام 2013.

التجربة تميزت بطزاجتها وبتفاعلها التلقائي مع الأحداث التي تمس ثورة السوريين ومصيرهم في بلد بات مهددًا في وجوده بعد أن تكالبت كل قوى الدنيا عليه، إثر انهيار الإطار الوطني للصراع والدخول في مرحلة صراع مسلح مفتوح وممول ومتحكم به خارجيًا بالكامل بدءًا من خريف عام 2012. وقد تميزت هذه الصيغة عن سابقتها، لافتات ميدان التحرير، بكونها الأداة الرئيسية، والوحيدة، في هذه “الوسيلة الإعلامية” المبتكرة، وليست هامشًا أو تعقيبًا أو خلفية لصورة أكثر شمولية تجري على بعد بضعة أمتار من حامل اللافتة وسط الميدان. وكانت التجربة تعكس بوضوح إلمامًا وعمقًا في رؤية الشأن السوري، بالإضافة إلى ثقافة مميزة وروح ساخرة، عند القائمين على هذه التجربة، أكسبت اللافتات جاذبية عند جميع متابعيها فوق جاذبية الفكرة والمواضيع اللي تتناولها.

وبالمقابل لا يمكن تجاهل تجارب أخرى استفادت من المنصات المتاحة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لإيصال صورة أكثر غنًا وتنوعًا عن حقيقة ما يحدث، وما حدث، في سوريا في ظل الطغيان الأسدي الذي استمر عقودًا طويلة. ولكن معظم تلك المحاولات كانت ذات طابع فردي ونفس قصير للأسف. يمكن أن نذكر هنا تجربة صفحة “الثورة الصينية ضد طاغية الصين” وكانت، ضمن ما لا يقل 400 صفحة فيسبوكية أخرى حسب إحصاء نشرته أورينت نت عام 2013، الصفحة الأكثر متابعة ضمن الصفحات المعارضة للطاغية الأسدي في تلك الفترة. هذه الصفحة، وغيرها كثر سبقنها ولحقن بها، اعتمدت على الفكاهة وعلى الذكاء في التقاط اللحظة التي تعكس حجم مأساة السوريين في إطار فكاهي ساخر مما شكل جاذبًا للكثير من المتابعين الذين وجدوا أنفسهم في نهاية المطاف أمام حالة بدأت بالدوران حول نفسها دون أن تخطو أية خطوة بأي اتجاه جديد. وهذا أمر طبيعي إن أخذنا بعين الاعتبار أن القائمين على هذه المحاولات أفرادًا أرادوا التعبير عن ردود أفعال والتعليق على أحداث، كان من المستحيل توقع حدوثها في سوريا قبل بضعة أيام فقط من انطلاق ثورة السوريين. لذلك كان لهذه المحاولات أن تصل إلى نهايتها تاركة أثرا طريفًا في ذاكرة من تابعوها لا يلبث أن يعود للظهور مع ظهور صفحات مشابهة تدور في نفس الفلك. وهذا دون البحث عن أفق حقيقي لاستمرارية ستعني أول ما تعنيه تغير هوية الصفحة بالكامل وتحولها من مجرد صفحة فردية لشخص أو مجموعة أشخاص، إلى مشروع إعلامي له أهداف محددة يريد الوصول إليها. مشروع بحاجة إلى عمل وتعاون أفراد كثر دون أن يقتصر الأمر على فرد أو مجموعة أفرد اجتمعوا وقرروا أخذ المبادرة واكتفوا بمبادرتهم تلك على صيغتها الأساسية دون أية محاولة للتطوير.

ويمكننا القول أنه لو أردنا جمع حصيلة التجربتين الإعلاميتين الأكثر بروزًا وحضورًا اللتين رافقتا الثورة، الناقل المشارك في المظاهرات “الناشط الإعلامي” ولافتات كفرنبل، مع التجارب الفردية أيضا التي لا يمكن إنكار أثرها والزخم الهائل الذي أحدثته وحرض بدوره على الكثير من التفاعل، يمكننا القول أن أهم قيمتين كرستهما هاتين التجربتين، ومجمل التجارب الفردية الأخرى، هما: الشجاعة والابتكار.

الشجاعة في كونك مشاركا في حدث التمرد على الطاغية ومعلقًا عليه في آن، وفي حالة سوريا والطغيان الذي ما زال يحكمها للآن، يعرف الجميع الثمن الباهظ الذي يمكن لصاحب هذا الموقف أن يدفعه، وهناك كثر ممن دفعوا حياتهم ثمنًا لهذا. القائمة لا تبدأ بالتأكيد بالشهيد الصحفي ناجي الجرف ويبدو أنها لن تنتهي، للأسف، بالشهيد تحت التعذيب المصور نيراز سعيد. والابتكار في محاولة إيجاد أفضل الطرق المتاحة وأبسطها في آن وأسرعها في الوصول إلى أوسع شريحة ممكنة من المتابعين لنقل الصورة كما هي، أو موقفًا محددا من هذه الصورة يعبر عن رؤية صاحب الموقف.

كلال التجربتين، بمعزل عما رافقهما من تجارب فردية أخرى، قيض لهما أن تنتهيا، أو يتراجع تأثيرهما تدريجيا، مع نهاية المرحلة الأولى من ثورة السوريين ضد الطغيان الأسدي، المرحلة السلمية.

لاحقًا، استمر النقل الإخباري من قبل بعض الناشطين الإعلاميين للمعارك التي بدأت تدور رحاها في عموم سوريا ضد النظام، إلا أن الزخم الذي رافق المرحلة السلمية الأولى تراجع لصالح نقل إخباري يكاد يكون رتيبًا وموجهًا إلى جمهور محدد دونًا عن سواه، الجمهور الإسلامي الميول. هذا بالإضافة إلى ظهور جانب طائفي سافر، متوحش في جوانب منه، غير عابئ بالتوجه بخطاب وطني عريض إلى جمهور أوسع، بعد ما بدا واضحا بأن الإطار الوطني للصراع برمته آيل إلى السقوط لصالح قوى إقليمية ودولية بدأت تضبط ما يحدث في سوريا على إيقاع مصالحها. والانصاف يقتضي القول إن الطائفية السافرة والمتوحشة في آن ظهرت أول ما ظهرت في تلك الفيديوهات “المسربة” من أقبية التعذيب عند النظام كمحاولة مسعورة لاستفزاز المشاعر الطائفية عند الجميع لتحويل الصراع في سوريا من ثورة ضد الطغيان إلى حرب أهلية طائفية، طوف نجاة النظام الأهم في مواجهة رفض شعبي عارم مصمم على إسقاطه.

إعلاميًا، وفي المرحلة التي تلت المرحلة السلمية، يمكن القول بأن زمن المبادرات الفردية على مستوى نقل الخبر ميدانيًا قد انتهى، ما عدا بضعة مراسلين أفراد، لصالح اتجاهين: الأول خاص بإعلام الفصائل العسكرية التي بدأت تؤسس لأقسام إعلامية تابعة لها. والاتجاه الثاني كان أكثر احترافية وهو تابع لشبكات تلفزة عربية كبرى، كالجزيرة والعربية بالإضافة إلى تلفزيون أورينت الذي بقي متابعًا الحدث الميداني عبر مراسليه من بداية انطلاق الثورة. وبالنسبة للشبكات العربية الكبرى، الأكثر متابعة بما لا يقاس مقارنة مع تلفزيون أورينت لأسباب متعددة، بدأنا نلاحظ وجود المراسل السوري الميداني الذي ينقل لصالح هذه الشبكة أو تلك من أرض المعركة مباشرة، وغالبًا ما يكون المراسل من أبناء المنطقة نفسها التي ينقل منها الأخبار. وللإنصاف فإن شجاعة هؤلاء المراسلين واندفاعهم في نقل الخبر، محمد الحوراني مراسل الجزيرة في درعا كان أحد الشهداء الإعلاميين، بالإضافة إلى السرعة الكبيرة في التعلم حولت معظمهم، إن لم يكن كلهم، إلى “نجوم” للفترة الإخبارية السورية على تلك الأقنية، لما أبدوه من حرفية وتفان وصدق في نقل الخبر وهم على خطوط النار بشكل مباشر.

على جبهة الرأي، أو “ترجمة” الحدث، بدأت تجارب، منصات، جديدة بالظهور مستفيدة مما تتيحه الشبكة من إمكانيات كبيرة للعمل والتفاعل، ومتجاوز الصيغة الفردية المميزة لصفحات الأفراد على وسائل التواصل الاجتماعي، ومتناولة الموضوع السوري بشكل أكثر احترافية من مجرد ردود الأفعال التلقائية التي يبديها الأفراد في مواجهة الأحداث الكبيرة. التحليل هنا كان السمة الأبرز لهذه التجارب، ومحاولة الغوص أبعد قليلًا من مجرد تفاعل تلقائي مع الحدث لفهم الأسباب التي أوصلتنا إلى ما وصلنا إليه ولتلمس أفق ما حقيقي، خصوصا بعد التراجعات والانهيارات التي بدأت بالحدوث نتيجة تحول البلاد بأكملها إلى ملعب للجميع وعلى حساب السوريين.

هنا يمكن القول بأن قيمتي الشجاعة والابتكار باتتا في مواجهة تحد جديد يختلف تماما عما واجهتاه سابقا في المرحلة الأولى للثورة، المقصود عسف النظام ووحشيته. إذ بدأنا نلحظ ظاهرة أخرى بدأت بـ “الزحف” باتجاه الإعلام السوري البديل، ظاهرة “الممول” أو “الراعي”. تلك الظاهرة التي كانت المخاوف منها تتمحور حول عنصرين رئيسيين: أن تترك أثرا على “شجاعة” الإعلامي أو الوسيلة الإعلامية في تناول القضايا المطروحة، حيث المال يفرض حدوده أيضًا عبر الممول نفسه؛ وأن تترك أثرًا على المهنية، أي “الابتكار”، التي قد تتراجع إن كان هناك ممول يريد ولاءً قبل الكفاءة.

وفي خضم “سوق المشاريع الإعلامية” المفتوح على مصراعيه في منافي السوريين، غازي عنتاب كادت أن تتحول “عاصمة” لتجمع المنفيين السوريين، العاملين منهم في مختلف مشاريع الدعم والرعاية الإنسانية وفي مجال الثقافة والإعلام أيضا، بتنا أمام حالة من الاختلاط بات من الصعب فيها التمييز بين المشروع المستقل وذلك التابع. تماما كصعوبة التمييز بين من يريد التمويل أو الرعاية، لأي من المشاريع المطروحة، خدمة لقضية السوريين أم خدمة لنفوذ يريده واضحًا ومهيمنًا ليقوم بتصريفه في النهاية سياسيًا ولمصلحة بلده أو حكومته. وفي نهاية المطاف ما كان الممكن تجاهل حقيقة أن العمل الإعلامي بحاجة إلى دعم مادي فعلي حتى يستطيع الاستمرار والنجاح. وكان التعويل أولًا وأخيرًا على أن المصداقية أمر لا يمكن تزويره وبالتالي على من يريد الانطلاق في هكذا مجال المتابعة بانيًا رصيده بالاستناد إلى القيمتين المذكورتين أعلاه، الشجاعة والابتكار، واللتان لابد ستظهران واضحتين وضوحًا لا لبس فيه ما أن ينطلق المشروع ويبدأ بتشكيل هوية لن تبقى مخفية عن أعين الجمهور بأي حال من الأحوال.

هنا تعددت المشاريع واختلفت حجومها، من صغيرة إلى متوسطة إلى كبيرة… بل يمكن القول أيضا ضخمة جدا! مشروع تلفزيون سوريا هو المثال الأبرز عن الضخامة هنا، وسيتم تناوله لاحقا في هذا المقال. ولأن المشاريع كثيرة ومتنوعة فإننا سنتناول في هذه الفسحة المتاحة ثلاثة مشاريع مختلفة من ناحية الهوية، المهنية، ولكنها تعطي فكرة أولية عما يمكن لمشاريع صغيرة ومتوسطة أن تحققه من انتشار بين جمهور الثورة من السوريين: موقع الجمهورية نت؛ مؤسسة بدايات؛ وتدوينة “سردة سورية” البصرية. وسنضع هذه المشاريع الثلاثة في مواجهة المشروع الضخم، تلفزيون سوريا، وسنحاكم، قدر المستطاع وضمن ما يتاح لنا من أدوات، مدى نجاعة هذه المشاريع في الوصول إلى الأهداف التي أعلنتها لنفسها منذ انطلاقها وفي تكريسها لقيمتين كبيرتين دفع ثمنهما دما غزيرًا من قبل إعلاميين سوريين أحرار فعلًا.

بالنسبة لمنصة الجمهورية نت فيمكن القول بأنها بدأت مشروع رجل واحد، المفكر والكاتب السوري ياسين الحاج صالح، لتتطور لاحقا لتصل إلى مرحلة المشروع المشترك المفتوح باتجاهات وآفاق متعددة ومتنوعة، ليس آخرها القسم الإنكليزي للموقع الذي صار واحدًا من أهم منصات النشر والتداول بالشأن السوري على الشبكة. ما يعنينا من هذا المشروع ليس كيل المديح لتجربة أدارها الحاج صالح، ومن انضم لاحقًا إلى مشروعه من الكتاب السوريين الشباب وتولى إدارة المشروع، بكفاءة وشجاعة واقتدار، بقدر ما نحن معنيين بالإشارة إلى أن مشروعًا بدء صغيرًا ومن ثم تحول إلى مشروع متوسط الحجم، وبموارد محدودة جدًا بدأت بعمل تطوعي مجاني من قبل جميع المشاركين فيه، لتتطور لاحقا إلى مصادر تمويل متعددة من مؤسسات مستقلة داعمة للمشاريع الإعلامية والثقافية لدفع رواتب المحررين وكلفة تحديث الموقع واستكتابات الكتاب، وأن هذا المشروع تمكن من تحقيق نجاح وإجماع حوله مع قدرة على الوصول إلى أوسع شريحة من الجمهور السوري المهتم بالشأن السوري العام.

وفي هذا السياق لابد من الإشارة إلى أن المشروع نفسه ما عاد يقتصر على تقديم المادة المقروءة فحسب، بل حاول التطوير باتجاه المادة المرئية عارضًا حوارات مرئية مسجلة في أحد مراحله. ومن ثم في مرحلة لاحقة حاول تقديم أسماء جديدة لكتاب سوريين شباب. وفي مرحلة أخيرة بدأ بعرض أعمال هؤلاء الكتاب مترجمة إلى اللغة الإنكليزية بعد أن وسع من دائرة عمله وصار له قسم إنكيلزي في محاولة للوصول إلى جمهور عالمي وليس الاقتصار فقط على الجمهور السوري. نحن هنا بالتالي أمام قصة نجاح متطورة بشكل دائم لا تقف عند حال واحدة وأفقها مفتوح، وأساليب عرضها منوعة، وجمهورها المستهدف بات أوسع بكثير مما تطمح إليه أية وسيلة إعلامية سورية موجودة الآن. كل هذا بدأ بمشروع صغير تطور لاحقًا إلى مشروع متوسط الحجم بأفق أكبر بكثير مما تطرحه على نفسها وأمام جمهورها مؤسسات إعلامية مكرسة وممولة بطريقة كاملة.

مؤسسة بدايات قدمت نفسها على صفحتها الرئيسية على الشكل التالي: “بدايات” شركة مدنية غير ربحية، تهتم بدعم وإنتاج الأفلام الوثائقية الطويلة والوثائقية والتجريبية القصيرة، وتنظم دورات تدريبية متخصصة تواكب كافة مراحل صناعة الفيلم الوثائقي. فعليا وعلى طول سنوات تلك التجربة وجدنا التزامًا تامًا بهذه الأهداف مع محاولة الوصول بنتاج المؤسسة، للسينمائيين السوريين الشباب، صفة سينمائيين بدون قوسين كون المؤسسة تتعامل مع مواهب أثبتت جدارتها بالاستناد إلى عملها دون أي تكريس مسبق وصلات داعمة بدون الاستناد إلى المقدرة. ربما أهم ميزة في “ابتكار” بدايات هنا بالذات، الوصول إلى أولئك الموهوبين فعلا وتقديمهم بأفضل طريقة ممكنة وهم على أرض الميدان، في سوريا وفي قلب الأحداث. الأمثلة لا تعد ولا تحصى وتشكل السمة الأوضح في عمل هذه المؤسسة الرائدة فعلا في توجهها وفي محاولتها المستمرة لتقديم وجها حقيقيا لسوريا التي يريد العالم كله أن ينساها الآن. كل هذا بتكاليف تكاد لا تذكر، بعض الأفلام صورت بكاميرات المحمول لمخرجيها أنفسهم، ومصادر تمويل متنوعة من مؤسسات ثقافية مانحة لضمان هامش أوسع للحركة، وبالتالي شجاعة أكبر في التعبير.

“سردة سورية” واحدة من أوائل، وأظنها من أهم، التدوينات السورية المرئية على الشبكة. وهذا مثال على مشروع صغير قائم بالكامل، على مبادرات المشاركين فيه، بتكاليف أظنها لا تكاد تذكر. يحاول إبراهيم الأصيل، مقدم المشروع والقائم عليه، من خلال مجموعة حلقات لا تتجاوز مدة عرض الواحدة البضعة دقائق تقديم فكرة محددة مكثفة وتتناول حدثًا محوريًا في تاريخ تشكل منطقتنا، أظن الحلقات بدايات لمشروع أكبر على ما أتوقع وأتمنى فعلا. ما يعنيني هنا من هذا المشروع، وهناك من تناوله بتفصيل أكثر وأدق وأفرد له مقالات متابعة ومدققة، ما يعنيني هنا أن المشروع قد حدد أهدافا واضحة أعلنها منذ حلقته الأولى وسار باتجاهها بوضوح محققا معدلات متابعة غير عادية فعلا ومقدما ما يمكن أن نقول عنه “خدمة معرفية” مهمة عبر وسيلة إعلامية متاحة للجميع، متابعين ومنتجين. ولا أظن أن الأثر الذي تركته تلك الحلقات سيقف عند الترحيب بالمزيد من الحلقات من نفس المصدر، الأصيل برودكشن ومجلة عنب بلدي التي تعرض الحلقات على صفحتها في الفيس بوك، بل إن الأمر سيتعدى الترحيب إلى محاولة الدخول في هذا المجال، التدوين المرئي، عند كثر من الشباب الذين يرون في أنفسهم المقدرة على تقديم أفكار جديدة ومبتكرة وتحقيق معدلات متابعة كبيرة.

على الجهة المقابلة نرى أنفسنا أمام مشروع جديد “عملاق” يطرح نفسه بصفته “خدمة إعلامية عامة.. تتوجه لكل السوريين.. من أجل الإضاءة على قضايا السوريين، في الداخل والشتات”. وبغض النظر عن الجدل الذي رافق انطلاق مشروع “تلفزيون سوريا”، وبالتحديد المتعلق بتعيين أنس أزرق مديرا للمشروع من قبل مموليه القطريين، فإن ما يعنينا هنا هو قدرة هذا المشروع على تحقيق أهدافه المعلنة أعلاه، وفيما إذا كان أحد ما من العاملين في هذا المشروع معني فعلا بالعمل بموجب القيمتين المذكورتين آنفًا، الشجاعة والابتكار، أم أن الموضوع برمته لا يعدو كونه افتتاح “مؤسسة إعلامية” جديدة لا تختلف عن مؤسسات النظام الأسدي إلا بكونها معارضة له فقط. مع العلم بأن النظام الأسدي نفسه بدأ ومنذ فترة لا بأس بها بالاعتماد على وسائل مختلفة وحديثة لإيصال رسائله عبر “نجوم” جدد لم يتم تكريسهم عبر أداته الإعلامية الرئيسية، التي يدرك النظام قبل الجميع، أن أحدا ما عاد معنيا بمتابعتها.

أكثر ما يخيف في هكذا نوع، وحجم، من المشاريع، وبمعزل عن التمويل وشروطه، التي بلغت حد الإهانة العلنية لجميع العاملين في المشروع بتعيين أزرق مديرًا عليهم، حيث الشجاعة هنا صارت نكتة فعليًا، أكثر ما يخيف فعلا هو غياب الابتكار والركون إلى أساليب طرح وتداول تقليدية سيفقد الأفكار الكثير من بريقها. وما رأيناه حتى الآن لا يتجاوز الأطر التقليدية في الطرح في شيء يذكر. ربما صفحة فيس بوك تترك أثرا أكبر بكثير من مؤسسات إعلامية مكرسة وهذه الصفحات قادرة على الوصول إلى شريحة أوسع. مثال صفحة “الثورة الصينية ضد طاغية الصين” سابقًا، وصفحة “ولدي ماهر” لاحقًا. هذا في الحديث عن الخدمة الإعلامية العامة التي تتوجه إلى جميع السوريين، حيث “جميع السوريين” ليسوا متاحين دائما لأي خدمة تتوجه لهم هكذا دون أية محاولة للفت انتباههم واحترام ذائقتهم المتطورة دائمًا.

وإن أردنا تجاوز الإطار الساخر، الجذاب بطبيعته لجمهور أوسع، عند مشاريع أخرى فردية وذات تأثير يبدو أحيانا أكبر من تأثير مؤسسات ضخمة، فإن الركون إلى سرد تاريخ المعاناة السورية في ظل الطغيان الأسدي، كأحد خطوط عمل تلفزيون سوريا، لن يشكل جاذبًا بحد ذاته حيث الصفحات الشخصية على الفيس بوك زاخرة بذكريات أصحابها ومعانتهم بشكل فيه من الصدق والتلقائية والعمق ما يترك أثرا يتجاوز وبمراحل برامج كلف إنتاجها الملايين. أي أن إضافة هذا المشروع أو بصمته، “الابتكار”، هنا باتت موضع تساؤل فعلًا حيث حتى اللحظة، وعدا عن الضجة التي أثارها تعيين أزرق مديرًا للمشروع، لم يقدم المشروع المذكور شيئا ملفتا للانتباه وجديرا بمتابعة جمهور واسع حتى اللحظة!

وإن أخذنا بعين الاعتبار أن مشاهدة قناة تلفزيونية تقليدية ما عاد أمرًا ممارسًا بشكل يومي كما جرت العادة سابقًا عندما كانت محطات التلفزة هي وسائل الإعلام الرئيسية والأسهل والأسرع بالنسبة لجمهور المتابعين. وبات الأمر مؤخرا يقتصر على الأحداث الكبرى حتى يعود الجميع لمتابعة محطات التلفزة وفي أوقات محددة، خلال فترة الحدث بالذات، فإننا سنجد أنفسنا أمام عالم جديد أكثر فردانية حيث الارتباط بمحطة تلفزيونية، أو متابعة محطة تلفزيوينة بشكل يومي، ما عاد يعني شيئا على الإطلاق. قناة يوتيوب يمكن أن تترك أثرا أكبر بكثير وهي متناسبة تماما مع إيقاع حياة اختلف كليا عما اعتدناه، خصوصا بعد أن أصبحت الشبكة رفيقنا في أي مكان كنا فيه وطيلة ساعات النهار. إن أخذنا كل هذا بعين الاعتبار يصبح التساؤل مشروعا عن جدوى هكذا نوع وحجم من المشاريع، إن كان المقصود فعلا خدمة القضية السورية من خلالها، كما يصر ممولو المشروع والقائمون عليه على القول دائما.

بالاستناد إلى ما سلف فإن مجمل تجربة الإعلام السوري البديل تشير إلى أن مشاريع صغيرة ومتوسطة الحجم بمصاريف قليلة، بعضها بمصاريف تكاد لا تذكر، يمكن أن تعطي نتائج أكبر بكثير من تحريك “جيش إعلامي” كامل، في حال كان الهدف فعلا خدمة القضية السورية. وهي تعفي الجميع من ورطة التمويل التي يعرف الجميع أفقها. هذا الكلام موجه لمن يريدون الدخول إلى الحقل الإعلامي والعمل فيه كمبتكرين فعلا يمتلكون حريتهم كاملة ليعبروا بكامل الشجاعة عما يريدون وعما يرونه صوابا. تلك الحرية التي كان لها ثمن باهظ جدا ويراد انتزاعها الآن وبأي ثمن ممن يفترض أنهم الاستمرارية الطبيعية لمبتكري “لافتات كفرنبل” وشهداء الإعلام السوري في ساحات التظاهر السلمي. أما من يريد أن يعمل كموظف في دائرة رسمية يمولها “معلم” ما أو “طويل عمر” ما.. فهذه حكاية أخرى.

نبذة عن الكاتب

شكري الريان

كاتب فلسطيني سوري مهتم بالشأن الإعلامي

Loading Facebook Comments ...