فرنسا.. لون واحد هو الأزرق

يجهد الوثائقي الفرنسي “الزرق- تاريخ آخر لفرنسا ١٩٩٦- ٢٠١٦” في تقديم قراءة للمجتمع الفرنسي، الأحداث الكبرى التي عصفت به والجدالات الساخنة، على مدار عشرين عاماً، يثبت عبرها أن كرة القدم الفرنسية ما هي إلا مرآة للمجتمع الفرنسي، وأن المنتخب وقع دائماً في قلب الجدل حول قضايا كبرى تتنازع الفرنسيين.

يحاول الوثائقي (حققه باسكال بلانشارد وسونيا دانجر ودافيد دييتز) نسج عمل يقارب الحبكة الروائية عبر تقسيم عشرين عاماً، هي تاريخ المنتخب المستهدف بالبحث، إلى أقسام تبدأ بـ”الأسطورة ١٩٩٦- ٢٠٠٠”، ثم “السقوط ٢٠٠١- ٢٠٠٦” و “الفوضى ٢٠٠٦- ٢٠١١” و”الوحدة ٢٠١٢- ٢٠١٦” . هو تقريباً يحذو حذو حكاية تقليدية، حيث يبدأ من التمهيد لحدث كبير حوّل الفريق إلى أسطورة، ملمّحاً في كل مقطع جديد إلى بوادر تقود إلى الفوضى والانقسام والصراع، وصولاً إلى فقرة أخيرة كانت أقرب إلى خاتمة سعيدة. وعلى الرغم من أن أحداث الفيلم لا تصل إلى أيامنا هذه، حيث فوز المنتخب الفرنسي أخيراً بكأس العالم، إلا أن خاتمة الفيلم تبدو وكأنها تمهيد لهذا الحدث السعيد.

يروي الفيلم (إنتاح العام ٢٠١٦) كيف كان فوز المنتخب بكأس العالم عام ١٩٩٨ في عيون الفرنسيين أشبه بتحرير باريس، خصوصاً أن الشانزيليزيه لم يغص بهذا العدد من المحتفلين (مليون ونصف) منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

 لكن تلك السنوات الكروية الذهبية ستشهد لأول مرة ضربة للمنتخب من خارج مضمار الرياضة. قال زعيم “الجبهة الوطنية” جان ماري لوبان إنه يجد مصطنعاً بعض الشيء أن يضم  المنتخب لاعبين من الخارج ويطلق عليه مع ذلك اسم المنتخب الفرنسي. حينذاك، كان لاعب واحد فقط من الفريق مولوداً خارج فرنسا. لقد اعتمدت “الجبهة” في هجومها ذاك على إحساس بالقوة جاء نتيجة فوز تاريخي حيث حازت ١٥ بالمئة من الأصوات في الانتخابات التمهيدية.

وصول الفرنسيين إلى كأس العالم تالياً ربما طغى على أصوات اليمين، وعلى أصوات رصاص هجمات إرهابية ضربت البلاد من مجرم سابق عمل بأمر من الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر. كانت البلاد تنعم بعسل التفوق ونيل الكأس، والتغني بالمنتخب باعتباره “اتحاد البيض والسود والعرب”.

يؤرخ الفيلم لنهاية سنوات “الأسطورة” مع ضربات الحادي عشر من أيلول العام 2001. يبدو أنه أراد أن يشير إلى مناخ عالمي بات جاهزاً لصراع هويات وأديان أكثر احتداماً. مناخ يضع فرنسا مباشرة في قلب ذلك الصراع.

فرنسا العابسة

لن تكون حدثاً عابراً تلك المباراة الودية التي جرت بين المنتخب الفرنسي (بطل العالم حينذاك) والمنتخب الجزائري التي جرت على ملعب سان دوني (ضاحية في باريس). من الطريف أن أحد لاعبي المنتخب الجزائري يقول إن الشعور الطاغي كان بأنهم يلعبون على أرضهم (لأن الجمهور الفرنسي من أصل جزائري وعربي كان إلى جانبهم في الملعب).

كانت المباراة هي الأولى بين الفريقين منذ استقلال الجزائر العام ١٩٦٢، وقد أوقفت في الدقيقة ٧٥ بعد أن نزل الجمهور أرض الملعب إثر أربعة أهداف فرنسية مقابل هدف جزائري. جاءت المباراة كخسارة للمصالحة، وانكساراً، ووصفت بأنها علامة تحول تظهر أن جزءاً من سكان فرنسا يجد صعوبة في الاندماج.

شهدت تلك السنوات، التي يسميها الفيلم “السقوط”، إضرابات وحرائق في الضواحي الباريسية، زادها اشتعالاً تصريحات ساركوزي، وزير الداخلية حينئذ، ضد مسبّبي الشغب من أبناء الضواحي مطلقاً عليهم وصف “الحقراء”، الأمر الذي سيؤجّج غضب بعض لاعبي المنتخب، الذين نشأوا في الضواحي، ولطالما سمعوا تلك الشتيمة.

يبدو أن تلك الأحداث شكّلت مقدمات ضرورية لكي يهاجم الفيلسوف الفرنسي فينكلكروت معتبراً إياه  “اتحاد السود والسود والسود”، لا “اتحاد البيض والسود والعرب”، كما جرى التفاخر في الأزمان الذهبية. (أصرّ الرئيس هولاند على القول إن هناك لوناً واحداً فقط للمنتخب، هو الأزرق).

إنها الموجة العنصرية ذاتها التي حملت “الجبهة الوطنية” إلى موقعها المتقدم في الانتخابات الرئاسية، والتي دفعت بزين الدين زيدان، ألمع نجوم الفريق، للتدخل في السياسة لأول مرة داعياً الناخبين إلى التكاتف ضدها. ولا بد أن يكون للرجل الذي هتفت جماهير العام ١٩٩٨ في الشانزيلزيه باسمه رئيساً تأثير ما على نزول الجماهير إلى الشارع ضد “الجبهة”.

في مرحلة “الفوضى” سيفتح ساركوزي، وقد بات رئيساً هذه المرة، نقاشاً واسعاً حول مسألة الهوية الوطنية، بتلازم مع مشكلة الهجرة، أي بوصف الأخيرة تهديداً للهوية. تهديد سيقود إلى تدهور حضاري، على ما سيعلن فينكلكروت: “نشهد عملية تدهور حضاري، نشهد روح المدينة تقتلعها روح أحياء الأقليات”.

إنها فرنسا العابسة، المذعورة من تنوعها الاجتماعي. على ما يقول مؤرخ. المذعورة من لاعب كرة قدم لا يؤدي النشيد الوطني. ما سيعيد جدلاً كان فتحه زعيم “الجبهة الوطنية” في سنوات سابقة متهماً بعض اللاعبين بعدم الإنشاد.

سيتوقف الفيلم هنا ليتحدث عن اللاعب كريستيان كاريمبو الذي كان قد قرّر التوقف عن النشيد بعد أن عرف أن فرنسا قد عرضت أسلافه في نيو كاليدونيا في حديقة حيوان بشرية العام ١٩٣١. وفابيان بولوس الذي لم يغن لأن الكلمات لم تكن تعجبه، وبنزيما الذي يقول إنه لو سجّل أهدافاً لما سأله أحد لماذا لم تغن النشيد.

لا يتردد بعض ضيوف الفيلم في اعتبار أداء النشيد حرية فردية لا يجوز التعدي عليها، وأن عدم الأداء لا يعني أن اللاعب لا يحب فرنسا، ولا يمكن أن يعتبر ذلك تشكيكاً بإخلاصه.

لكن تلك الموجة المتشددة والصارمة يبدو أنها بلغت بعض مدربي الفريق، الذين راحوا يعدّون لوائح الممنوع والمسموح للاعبين. لقد تصرّف المدير أحياناً كما لو أنه “الأخ الأكبر” في نظام شموليّ، وقد بلغ الأمر حدّ التخلّص من البوفيهات الحلال. سيعتبر ذلك إجراءً تمييزياً (مع أنه يأتي تحت شعار العلمانية والمساواة)، لأنه موجه ضد فئة بعينها من الفريق.

الجدل سيحتدم أكثر مع الكشف عن أن هناك من أراد أن يضع حداً أقصى لعدد اللاعبين مزدوجي الجنسية في مراكز التدريب. هكذا سينهار ما سمي بـ “اتحاد البيض والسود والعرب” بالفعل، وسيمرّ عام من الفشل قبل أن يعفى المدرب لوران بلان، ويعيّن ديدييه ديشان كمدير جديد.

سنوات العسل.. والرعب

في الفصل الأخير من تلك العشرينية سيتفق المدرب الجديد ديشان مع الممثل جمال دبوز (كوميدي فرنسي من أصل مغربي) على عرض فيلم “المسيرة” أمام الفريق. وهو فيلم (للمخرج نبيل بن يادير، البلجيكي من أصول مغربية) يستعيد ذكرى مسيرة تعتبر علامة في تاريخ المجتمع الفرنسي المعاصر، انطلقت من مرسيليا عام 1983 لتنتهي في باريس حاملة شعار “من أجل المساواة ومناهضة العنصرية”، وذلك بعد أن أطلقت الشرطة كلباً مدرباً لمطاردة شاب مغاربي، ثم تقوم بإطلاق النار على الشاب. المسيرة ستصل إلى قصر الأليزيه ويلتقي ممثلوها بالرئيس آنذاك فرانسوا ميتران، ويتم إثرها الحصول على بعض الحقوق، من بينها قرار ميتران الذي منح المهاجرين بطاقة الإقامة والعمل الصالحة لعشر سنوات.

جمال دبوز ونيكولا ساركوزي

يقول الممثل جمال دبوز للوثائقي الفرنسي: “أردت أن أريهم الفيلم فهو مهم جداً في تاريخنا المشترك. وهم بالفعل استجابوا وتأثروا”.

يستطيع المدرب الجديد أن يقود فريقه إلى “الوحدة” (وهذا هو عنوان الفصل الأخير من الفيلم الوثائقي) التي تسهم في إنجازات لافتة. كانت هذه سنوات العسل مع الجمهور الفرنسي، رغم الأحداث العظيمة التي شهدتها البلاد. فلقد بدأ العام ٢٠١٥ بالرعب، حيث الاعتداء الشهير على صحيفة الكاريكاتير “شارلي إيبدو”. ثم يجد الفريق نفسه في قلب الأحداث أثناء مباراة ودية مع ألمانيا في استاد “فرنسا” بحضور الرئيس فرانسوا هولاند، سيسمع اللاعبون والجمهور أصوات الانفجارات في الخارج، حيث هدد الإرهاب الاستاد نفسه، وغير بعيد عن المكان، في مسرح باتاكلان حيث قضى ١٣٠ قتيلاً برصاص إرهابيين.

قد تكون إنجازات المنتخب في هذه المرحلة بفعل التلاحم الوطني والشعور بالخطر، فتنظيم “الدولة الإسلامية” كان يستثمر بالضبط بأزمة الهوية عند شبان الضواحي.

 تغلّب الفرنسيون على الإرهاب، ونزلوا إلى الشوارع للاحتفال بانتصارات المنتخب في كأس الأمم الأوروبية حيث قدم الفريق لشعبه فاصلاً ساحراً. وهو وإن خسر المباراة النهائية أمام البرتغال “لكن الخاسرين ظلوا أبطالاً”. ستستعيد المستشارة الرياضية للرئيس هولاند مقولة نيلسون مانديلا “أنا لا أخسر أبداً. أنا إما أفوز أو أتعلم”.

كانت هناك الرغبة بعيش تلك “اللحظة الوطنية الكبيرة، العيش ككيان مشترك”، لعلهم أدركوا أخيراً أن هذا هو الفوز.

نبذة عن الكاتب

راشد عيسى

صحفي وناقد فلسطيني سوري

Loading Facebook Comments ...