ليس للعراق من حل

المقال الصوتي:

– – – –

ما يجري في العراق يبدو وكأنه موجة جديدة من “الربيع العربي”، المُنتفضون العراقيون في أغلب مُدن جنوب ووسط العراق يسعون لإحداث تغيير جوهري في بُنية هرم الدولة والسُلطة في البِلاد، دون أن يكون ثمة أي أفق أو سياق لما ستؤول إليه الأحوال في المُستقبل المنظور.

إذ ثمة تناقض غير معقول في العراق الحالي، بلد مُتخمٌ بالديناميكيات الحيوية للحداثة السياسية، يجمع الحُريات السياسية المعقولة بالحياة البرلمانية بالانتخابات العامة الشفافة بتعدد الأحزاب وتنافسها وصراعها السلمي فيما بينها على السُلطة. فوق ذلك، ثمة بُنى ومؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية حيوية، مفصولة عن بعضها البعض إلى حد ما. لكن هذا العراق نفسه، يفتقد مواطنوه للحد الأدنى من أسس الحياة الكريمة المعقولة، لا يتعلق الأمر بمراكمة الثروة أو تشييد نهضة عمومية شبيهة بالدول الصاعدة، بل بالخدمات الأولية الأكثر بساطة، المتعلقة بقدرة الدولة على تقديم الكهرباء والمياه الصالحة للشُرب وشبكات الصرف الصحي والمؤسسات التعليمية البسيطة.

هذه الخدمات التي تستطيع عموم الدول تقديمها لمواطنيها، الدول الأكثر فقراً والأفظع استبداداً على حدٍ سواء. لكن العراق المُتخم بثروة عامة فائضة، تصل درجة تصديره لقُرابة أربعة ملايين برميل نفطٍ يومياً، يُقدر سعرها بحوالي رُبع مليار دولار يومياً، وبها هذا الشكل المعقول مع هرمية الدولة والسُلطة الحديثة، لكن يفشل تماماً في تحقيق الحد الأدنى من حقوق مواطنيه الأكثر بدائية وبداهة وبساطة.

صحيح أنه ثمة “نُخبة نهب عام” ضخمة جداً في العراق، هذه النُخبة التي تكون عادة مسؤولة عن مثل هذا التدهور المُريع في الأحوال العامة. لكن النُخبة العراقية هذه، من رؤساء الأحزاب السياسية مروراً بقادة الفصائل المُسلحة وليس انتهاء بزُعماء البيوتات الدينية والمرجعيات المذهبية، كُلها نُخب مُختارة ومُنتخبة ومتوافق عليها من القواعد الاجتماعية العراقية بدرجات مختلفة. كانت الانتخابات الأخيرة دلالة واضحة على ذلك، فبعد عقدٍ ونصف كامل، كانت نُخب النهب العام العراقية هذه تقوم بأفعالها كاملة، فأنه أُعيد انتخابها من جديد، من قِبل نفس القواعد المُتضررة والمُنتفضة لسوء أحوالها.

بالضبط كما تفتقد هذه القواعد الاجتماعية الأدوات اللازمة لإحداث التغيير المأمول في البِلاد، فأن نُخبة الحُكم بدورها صارت مُفتقدة لأية قُدرة على تصدير أزماتها. فكما سعت السُلطة القومية/البعثية لأن تُصدر كُل أزماتها عبر تضخيم وتصعيد صراعها مع الحركة القومية الكُردية، التي كانت تتهمها بالانفصالية والعمالة والولاء للخارج، فأن نُخبة الراهنة صارت فاقدة للقُدرة على تصدير ازمتها العميقة عبر تصعيد الصراع الطائفي في المناطق الغربية في العراق.

في عراق اليوم استعصاء كامل الأركان، يتحرك أساساً على بُنيتين متوازيتين: فمن يحكم العراق اليوم يملك كل شيء، المال والسلاح والسُلطة والمؤسسات والتنظيم، فوق ذلك الدعم الإقليمي والدولي، لكن أساساً شرعية الحُكم والسُلطة عبر شكلٍ من الآليات الديمقراطية والتمثيلية الواضحة والشفافة. نُخبة متوغلة ومُهيمنة على كافة أسباب حياة العراقية، وتعتاش على هذه الهيمنة، التي فيما لو فُقدت، فأنها ستعني تحطيمها وإخراجها من الحياة العامة.

مُقابل ذلك، فأن قوى المعارضة الشعبية منفلشة وليس لها لسان. تعرف هذه القوى ما تعانيه وترفضه من سلوكيات وسياسات، لكنها في الآن ذاته لا تعرف ما الذي تُريده، لا تمتلك القُدرة والقابلية لأن تُبلور أطاراً نظرياً وسياسياً وعملانياً لبلورة أزمتها المُركبة وتطلعاتها المُستقبلية.

في العراق الراهن ثمة ما هو أعقد مما واجهته القواعد الاجتماعية في موجة الربيع العربية الأولى، حينما كانت صورة السُلطة واضحة المعالم، كما كانت مطالب وديناميكيات وتطلعات الجماهير أكثر وضوحاً.

في عِراق اليوم ليس ثمة من “حل”. وحيث أنه من الحصافة أن يتجاوز المتفكرون بأحوال هذا البلد موضوعة الحل، ليخوضوا تفكيراً أكثر عُمقاً ببنُية وشكل وجُغرافية هذا البلد وتعقيدات مُجتمعاته، وأن يطرحوا حلولاً أكثر موضوعية وبساطة من “صرح الحل”، وقبل ذلك أكثر تواضعاً من خطابات الزُعماء السياسيين والدينيين العراقيين، الرنانة والجوفاء.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...