فيلمان سوريان في بيروت: توب العيرة وذاكرة باللون الخاكي

فيلمان وثائقيان سوريان عُرضا من بين الأفلام الوثائقية الطويلة السبعة التي قدمت في مهرجان كرامة بيروت 3 لسينما حقوق الإنسان، والذي عقدت نشاطاته هذا العام تحت شعار: “حرروا الكلمة “. الأفلام الوثائقية الطويلة الأخرى توزعت بين : ألمانيا، فلسطين، أفغانستان، الأردن والعراق.

توب العيرة، لين الفيصل، 2017، 55 د

الفيلم الأول الذي عرض ضمن فعاليات المهرجان بعنوان “توب العيرة”، للمخرجة السورية لين الفيصل، الفيلم يحاول عبر كاميرا واقعية أن يرصد حياة شخصية جدة صانعة الفيلم، وهي تبلغ من العمر ثمانين عامًا، ويتابع التجارب التي تعرضت لها في التنقل خلال السنوات العنيفة الأخيرة التي تعيشها سوريا، وهجرة الملايين من السوريين بين لاجئ ونازح ومهجر سواءًا داخل أو خارج حدود الدولة السورية.

في اللقاء الذي عقد مع المخرجة على هامش عرض الفيلم في سينما صوفيل، حيث كانت شهدت بيروت عرضه العربي الأول، قالت الفيصل إن “الفيلم يهتم بما ندرت معالجته في الأفلام الوثائقية التي تتناول الموضوعة السورية، ألا وهو الآثار أو الأضرار التي تصيب الأفراد على المستوى النفسي، والتي لاتقل عن باقي الآثار المؤذية التي أحاقت بالفرد السوري”. لكن كيف يمكن التعبير عن الضرر النفسي عبر السينما؟ تعكس المخرجة لحظات واقعية من حياة عائلتها المشتتة، مشاهد سينمائية من المشاعر الإنسانية المعروفة مثل لحظات الوداع، الشوق، والتوق إلى التواصل، والرحيل.

القصة تروي واقع حال الجدة الثمانينية بعد هجرة أبنائها السبعة إلى شتى أصقاع الأرض خارج سوريا، تقيم الجدة الفيصل لفترة مؤقتة في كل من بيروت ودبي عند عائلتي ابنتيها وهكذا يتعرف المشاهد على حكاياتهم أيضًا. لكن الشخصية الرئيسية، أي الجدة، لا تتوقف عن الإلحاح والتكرار على من حولها بأنها ترغب بالعودة إلى دمشق، إلى منزلها الذي لا يشبه في راحته مكانًا آخر، بينما يواصل أبناؤها وأحفادها رحلة اللجوء والاغتراب والمنفى في تنقلات أخرى.

تكتب لين الفيصل في تقديمها عن الفيلم: “توب العيرة هو توثيق شخصي للآثار النفسية والاجتماعية للأزمة على الطبقة الوسطى السورية – الفئة التي بشكل عام نادرًا ما تركز عليها وسائل الإعلام والسينما، إذ تفضل هذه المنصات التركيز على الحالات المتطرفة من فقر، ومجاعات، ومعيشة لا تطاق في مخيمات اللجوء”.

من الجيد أن تلفت المخرجة الأنظار إلى الطبقة الوسطى وأهمية العمل التوثيقي والسينمائي لهذه الفئة الاجتماعية، لكن هل يمكن حصر تجربة الطبقة الوسطى في الحرب السورية بالجانب النفسي؟ وبعيدًا عن الفقر والمجاعة ومخيمات اللجوء؟ ألم تعاني الطبقة الوسطى أيضًا على مستوى الصحة والتعليم وتراجع الخدمات؟ هذه أسئلة ربما تدفع المخرجة وتشجعها على إنتاج المزيد من الأفلام التي تسلط الضوء على تجارب أخرى من تجارب الطبقة الوسطى في الحرب السورية، بما أنها أثارت هذه القضية النادرة التناول على حد تعبيرها.

“توب العيرة ما بيدفي”، مثل شعبي سوري، يعني أن الثوب المستعار، أي الذي لا يملكه الشخص، لا يجلب الدفء، وهذه هي الاستعارة التي أسقطها الفيلم على مدن العيرة، أي مدن اللجوء ومدن المهجر والمنفى. هي كلها بالنسبة لجدة الفيصل أماكن إقامة مؤقتة، لا تشعرها بالراحة أو الاطمئنان، مثلما هو الحال مع ثوبها الأصلي، مدينتها التي كانت تقطنها سابقًا، أي دمشق. لكن المطب الذي قد تقع فيه الحكاية، هو دعوة إلى النوستالجيا أو الحنين إلى دمشق الماضي، بدلًا من محاولات التمرد والتغيير. فهل قصدت المخرجة هذا التأويل الذي قد يرد إلى ذهن المشاهد عبر حكايته؟ هل قصدت المخرجة تضمين الفيلم هذه الفكرة؟

إذًا، “توب العيرة” تجربة تدفعنا للتيقن من الحكاية التي نختارها كم هي مناسبة للمقولات التي نرغب أن نطرحها في الفيلم، ما هي القصص القادرة أن تعكس بفنية سردية ما نرغب أن نروي عنه؟ ومقدار الخصائص الفنية على المستوى السينمائي فيما نريد تصويره من أفكارنا؟ هل تمتع حكايتنا سردًا؟ هل تفتح ذهن المتلقي على الأسئلة والتأويلات؟

نبذة عن المخرجة

الفيلم هو الأول لمخرجته في مجال الأفلام الوثائقية الطويلة.  والفيصل منتجة للفيديو ومصورة تعمل في شبكة CNN – دبي. تخرجت من مرتبة الشرف في الجامعة الأمريكية في دبي، نالت شهادتها في الصحافة والدراسات الشرق أوسطية وتخصصت بالأفلام الوثائقية. وقد فاز الفيلم بجائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان سينما طريق الحرير.

ذاكرة باللون الخاكي، الفوز طنجور، 2016، 108 د

الفيلم الثاني السوري الذي شارك في عروض سينما حقوق الإنسان 3 في بيروت، هو “ذاكرة باللون الخاكي” للمخرج ألفوز طنجور، فيلم من “سينما البوح” كما أطلق عليه الناقد السينمائي اللبناني نديم جرجورة، حيث تروي الشخصيات أمام الكاميرا حكاياتها وأفكارها وتأملاتها الشخصية. هذه الشهادات لا تحاول التحليل السياسي، أو التنظير الاجتماعي، بمقدار ما هي تجارب ومشاعر وآراء شخصية وفردية، تحمل خصوصيتها من ذاتية الرواة، ولذلك عدها الناقد جرجورة في إطار البوح. إنها سينما أشبه بدفتر المذكرات حيث القصص والأحداث التي تخص كتبتها بنوعيتها، وكذلك وفي الوقت نفسه تنطبق على العديدين.

القاص إبراهيم صموئيل، والفنان التشكيلي خالد الخاني والناشطة السياسية أماثل ياغي، والمخرج شادي أبو فخر، وصوت المخرج الذاتي، أي ألفوز طنجور، ها هي الشخصيات السورية الخمسة التي تمنحها كاميرا الفيلم زمنًا بصريًا وسمعيًا لسرد حكاياتها، ذكرياتها، وأفكارها السياسية في بعض الأحيان.

أما حين يرغب صانع الفيلم المخرج بأن يحكي بصوت الرواي عن حكايته وأفكاره، فإن الكاميرا لا تصوره، بل تختلق الرؤية الإخراجية بديلًا بصريًا وهو تصوير طفل يؤدي دور المخرج في ماضيه، وهو يرتدي على الدوام اللون الخاكي، أي الزي العسكري المعروف في نظام التعليم السوري.

اللون الخاكي، في ذاكرة القاص إبراهيم صموئيل هو كل ما يعلق بالمدينة دمشق من تلوث، وهو لون معاكس لكل ما يعشقه فيها. يروي صاحب المجموعة القصصية رائحة الخطو الثقيل عن السنوات التي عاشها في المعتقل، حيث لا تتجاوز المساحة المتاحة فيه للمعتقل، المساحة المخصصة للبقرة في حظيرة. يروي عن حبه لدمشق، لكن الفيلم يصوره تاليًا في رحيله عنها والإستقرار في عمان، ويروي كذلك تساؤلاته عن نظام الحكم الشمولي الفردي.

كذلك الفنان التشكيلي خالد الخاني الذي عايش تجربة قاسية مع أولئك الذين يرتدون اللون الخاكي أي العسكر، ودورهم في الأحداث المأساوية التي حفظها في ذاكرته، ولا يرغب بنسيانها عن حماه العام 1982، حيث اقتلعت عينا والده، وحيث الأمهات تنتظرن في ساحات حماه عودة أبناءهن من المعتقلات، تبحثن بما يشبه الهستيريا والجنون بين الباص والآخر عن ابن أو أخ. هذه هي ذاكرة الخاكي التي ينقم عليها الفنان التشكيلي الخاني، ويقدم بوحها من لجوء باريس، متأملاً أن يحل اللون الأبيض فوق مساحات اللون الخاكي في لوحته ورسمه.

الناشطة السياسية أماثل الياغي عاشت متخفية عن أعين الرقابة السياسية في سوريا لمدة عشرين عامًا، انتقلت خلالها من هوية مستعارة إلى هوية أخرى، كان أشد ما يصعب عليها من سنوات الخاكي تلك العلاقة الحساسة مع عائلة تعي أن ابنتها مطلوبة من الأمن، ومتخفية عن الأنظار بسبب نشاطها السياسي. الآن، تعيش أماثل في فنلندا دون أن تهجرها ذكريات تلك التجربة التي مازالت تبثها القلق والأسى.

السينمائي السوري شادي أبو فخر، يحاول في بوحه مشاطرة المشاهد الأسئلة السياسية والإجتماعية التي ما زال يتساءلها منذ بداية الثورة. أسئلة عن مسارات الثورة، مطالبها وخياراتها، يرى أن الزمن لن يعود بالسوريين إلى الوراء، إلى زمن الخاكي، حيث الصوت الواحد والنظام الشمولي. حكاية شادي بعيدًا عن السياسي، هي علاقته بالمنفى الباريسي، محاولته التأقلم مع اللغة، محاولاته في مواصلة مساعدة نشطاء الكاميرا، ونشطاء حقوق الإنسان في سوريا.

أما بوح المخرج الشخصي ألفوز طنجور، والآتي عن صوت الراوي فيركز على علاقته بالأدب والسينما، بنصوص إبراهيم صموئيل، بأفلام تاركوفسكي، وتجربته خلال دراسته السينما، وتجربة المجتمع السوري منذ العام 2011. يحاول صوت الراوي أن يسترجع مدينته الأصل، سلمية، لتعود إليه صور من ذاكرة الطفولة والدراسة، حيث يرتدي طالبًا إعداديًا بدلة الخاكي معاقبًا تحت المطر في باحة المدرسة.

يضمن المخرج الفيلم صورًا من واقع الدمار والخراب الممتد على كامل جغرافية العمران السوري، كما يضمنه لقطات نادرة من لحظات القصف وإلقاء الطائرات للقذائف فوق الأبنية العمرانية لعدد من المدن السورية، رآها المخرج تجمع بين الوثيقة التاريخية والفنية العالية على المستوى السينماتوغرافي. لا تحمل لقطات القصف والتدمير أهمية فقط من ندرتها، فهي مدمجة أيضًا داخل السياق البصري للفيلم بحرفية.

“ذاكرة باللون الخاكي”، لا يسعى إلى تقديم صور بصرية عن واقع الدمار السوري فقط، ولا يسعى فقط إلى تصوير شهادات وبوح شخصيات سورية اختيرت بعناية، بل الفيلم يسعى لتقديم لغة سينمائية هي شبيهة بتلك التي عرفتها جماليات سينما المخرج الروسي القدير أندريه تاركوفسكي (1932 – 1986). وهي تلك المتميزة باللقطات العريضة، الكادارات الواسعة بالجمالية التشكيلية، الإيقاع الممتد في الزمن، لغاية تحقيق جماليات سينمائية رصينة.

نبذة عن المخرج

ألفوز طنجور، درس الإخراج السينمائي في أكاديمية الفنون الجميلة في جمهورية مولدافيا 2000 – 2004. منذ تخرجه، قام بإخراج العديد من الأفلام القصيرة، من بينها “نهاية البالون الأحمر” و “شمس صغيرة” التي فازت بالجائزة البرونزية في مهرجان قرطاج السينمائي 2008، وجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان مونس ببلجيكا عام 2009. كما أخرج أيضاً “البندقية الخشبية” الذي فاز بجائزة الحريات العامة وحقوق الإنسان في مهرجان الجزيرة الدولي للأفلام الوثائقية 2013، وأفضل إنتاج في حفل جوائز مهرجان الباندا الذهبي العالمي للأفلام الوثائقية في الصين،2014.

نبذة عن الكاتب

علاء رشيدي

قاص، صحفي ثقافي، ومدرب إعلامي. صدرت له مجموعتان قصصيتان عن دار أطلس للنشر.

Loading Facebook Comments ...