الرائد هاني وجاك شيراك والمنتخب السوري في المونديال

 لطالما عملت المؤامرات على إبعاد المنتخب السوري عن كأس العالم، ففي عام 1966 انسحب المنتخب السوري مع المنسحبين من منتخبات أفريقيا، بسبب احتجاج الأخيرة على عدم تخصيص مقعد للقارة السمراء في نهائيات كأس العالم.

وفي تصفيات 1986، عملت المؤامرة والبترودولار عملها وحرمت منتخب سوريا الأسد أمام العراق، وانتهت المباراة الفاصلة بفوز المنتخب العراقي الصدامي وخسارة منتخب سوريا الأسد، وقيل الكثير عن رشوة بملايين الدولارات لحكم المباراة من نفط العراق، وسرت إشاعة مفادها أن الرئيس العراقي حينها صدام حسين أبلغ اللاعبين العراقيين بأنه سيعدم عائلاتهم إن فاز منتخب حافظ الأسد، وأن الرئيس الراحل حافظ الأسد أبلغ لاعبي المنتخب السوري بأن يهدّوا اللعب ويخففوا ضغط على اللاعبين العراقيين، وكان أن نجح القائد الخالد بإنقاذ عائلات المنتخب العراقي من الشنق.

احتفظ لاعبو المنتخب العراقي بالمعروف الحافظ أسدي، وتناقلوه سرًا، جيلاً بعد جيل، حتى عام 2011 عندما اندلعت مؤامرة أعداء العالم على العالم، فأرسل اللاعبون العراقييون السابقون أبناءهم وأحفادهم كمستشارين عسكريين وخبراء سلم أهلي إلى سوريا الأسد.

المؤامرة على تأهل المنتخب السوري لم تكن لتقف عند حد، ففي عام 1994 ساهمت كل أذرع المؤامرة والبترودولار لتمنع المنتخب السوري من الوصول، ولكن حنكة الراحل كانت أبعد مدىً مما خطط أعداء العالم، وعكف الرئيس الراحل على شرح إمبريالية البطولة المقامة في الولايات المتحدة.

أذكر جيدًا عندما استدعانا ضابط التوجيه السياسي وألقى علينا محاضرة عنيفة عن دور الإمبريالية العالمية التي حتى تلك اللحظة لم نكن نفهم معناها، وأسهب في الحديث عن دور جورج بوش الأب في سرقة نفط الخليج، وعن سيطرة الأمريكان على مصادر الطاقة عسكريًا بعد هزيمة العراق في حرب الخليج، والتي ساهم فيها الجيش العربي السوري تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

ثم كانت تصفيات 1998، حيث خرج المنتخب السوري من التصفيات، ولكن لم نستطع يومها إقناع الرائد هاني إبراهيم بأن المنتخب خرج من البطولة، فالرائد هاني أصر على أن المنتخب سيعود للبطولة وأن قرايبو في الخارجية قال له إن السيد الرئيس يولي الأمر أولوية، وأن ثمة تحقيقًا شاملًا أجري في مركز فرع فلسطين للدراسات الامنية يكشف أن هناك مؤامرة، وأن مركز فرع المنطقة للدراسات الاستراتيجية استطاع الإمساك بخيوطها، وكنا نحاول نحن ومجموعة من الضباط ثني الرائد هاني إبراهيم عن رأيه ولكن كل ذلك لم ينفع، ومما زاد الأمر سوءًا أن الرائد هاني بات مقتنعًا أنه على حق وأننا متورطون في المؤامرة، فواجه المقدم يوسف زريقة بالأمر علنًا وقال له: هلق هادا حمصي بس هنت شو قصتك؟ مقلك رح تشوف المنتخب بكأس العالم وهنت مقتنع متل هالحمصي، ولك بشرفي هنتو المؤامرة عالبلد والمنتخب.

استمر الرائد هاني بتتبع الاخبار يومًا بعد يوم وكان يحضر إلينا بعد الإجازة ليسرد مجموعة من الأخبار والأسماء اللاتينية، والتي كان يوردها من دفتر الجيب الاحمر وكأنها نصوص الجفر السرية مما يمنحه بعض المصداقية لدى بعض الضباط، بل إن منهم من بات يكوّن مجموعة دعم للرائد هاني، وينتظر بفارغ الصبر وصول الأخبار من دفتر الجيب الأحمر تبع الرائد هاني ابراهيم، بما يشمل الخبر الذي يقول أن الحكومة الفرنسية ذلك الوقت بعثت بأخبار سرية للقائد الخالد تؤكد على إيلائهم أهمية قصوى لكشف المؤامرة.

 ولما كان العقل المؤيد عقلًا مؤامراتيًا، فإن إقناع البقر السارحة معنا في الكتيبة ذلك الوقت لم يحتج فترة طويلة، فباتت أخبار الرائد هاني تسري في الكتيبة وفي منطقة المتن الأعلى في جبال لبنان بأن المنتخب السوري سيكون في نهائيات كأس العالم فرنسا 1998 وأن الرئيس جاك شيراك شخصيًا وبدعم من رفيق الحريري يعمل على عودة المنتخب السوري لكأس العالم. بل وزاد الامر سحرًا حضور بعض الضيوف اللبنانيين إلى مقر الكتيبة رافعين علم الدولة السورية ومبدين تضامنهم مع المنتخب ومع سوريا الدولة والمؤسسات والمجتمع المدني، أظنها كانت بداية نزعة فصل الرياضة عن السياسة.

وانتشر الخبر في عموم المساكن العسكرية ومنطقة الست زينب أيضًا، ومرت الأيام وجاء يوم الافتتاح، ولم يظهر المنتخب السوري، مما اضطر المجاميع البشرية المنتظرة أن تطلب من الرائد هاني أن يخرج دفتر الجيب الأحمر أو الاتصال بقريبه لنفهم من سنشجع، ولكن الرائد هاني لم يجب ببنت شفة. اكتفى بالصمت ودمعة على خده كانت كافية أن يقوم الجميع بمواساة الرائد هاني، فلقد تعب الرائد هاني وحاول جهده (هذا ما قاله ضابط أمن اللواء تلك الأيام). بالفعل، تحول الأمر وكأن الرائد هاني لم يتأهل لكأس العالم 1998 في فرنسا وليس المنتخب، بل أقيمت سهرة في الليلة التالية وقام الضباط بتهيئة سفرة عشاء فخمة من المرتديلا والبيض بأنواعه والزيتون الأخض والحلاوة والعرق والزلاطة كنوع من العرفان للرائد هاني على ما قام به في الفترة الماضية، ودخل الرائد هاني دخلة العروس الحردانة وجلس في صدر الجلسة وهو يحمر خجلًا ويتمتم: مافي داعي شباب، ما علمنا غير يلي علينا، هي بلدنا وهادا منتخبنا وكلنا فدا السيد الرئيس.

نبذة عن الكاتب

وائل عبد الله

وائل عبد الله، خريج كلية الإعلام، قسم التعليم المفتوح. حاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يعمل حالياً كاستشاري في قطاع إدارة المخاطر.

Loading Facebook Comments ...