شعب ما بينحكم إلا هيك

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

 

قبل عدة أيام، وفي سياق مشاركته في برنامج “بموضوعية” الذي يُقدمه الإعلامي اللبناني وليد عبود، فأن المُحلل السياسي اللبناني جوزيف أبو فاضل، وفي إطار مُطالبته بإعادة اللاجئين السوريين إلى بِلادهم بأي ثمن، حتى دون أية ضمانات سياسية أو حقوقية واضحة تحمي هؤلاء اللاجئين مما يُمكن أن يواجهونه من فظائع جراء ثأر قوات الأسد والمليشيات الرديفة له منهم، وحينما كان الإعلامي عبود يحاجج أبو فاضل في حق السوريين في الحصول على نِظام سياسي ديمقراطي، فأن الأخير رد قائلاً: “هادا شعب ما بينحكم إلا هيك”.

يُشكل أبو فاضل نموذجاً تعبيراً عن قراءة عمومية للمسألة السورية، تعتبر أن أُس المُشكلة كامنٌ في الشعب السوري، وليس في نُخبة ونمط الحُكم الذي تُدار به البِلاد وخياراتها العامة، مُنذ نصف قرنٍ أو أكثر وحتى الآن. يُعبر عن منطق أرعن يطالب المُجتمعات والجماعات لأن تُغير من طبيعتها وهويتها، وأن تتخلى عن مصالحها وتطلعاتها، فقط لتكون مناسبة وقابلة للخضوع لمثل هذه الأنظمة والنُخب والمؤسسات الحاكمة.

هذا المنطق لا ينطبق على قراءة هؤلاء وفهمهم للسوريين ومسألتهم فحسب، بل تتوسع لتشكل قراءة عمومية لنوع من الوعي يرى أن الحُكم لا يستقر ولا يتم إلا بهذه الطريقة، وأن الأُمم والتجارب الديمقراطية التي تحققت في بعض الدول إنما هي تجارب استثنائية غير مثالية، يُمكن لها أن تُستعاد في باقي مناطق العالم، بالذات في مُجتمعاتنا التي لها خصائص وطبائع وبُنى جوهرانية مُستعصية على أي تغييرٍ واضح في اتجاه الحداثة السياسية واحترام منظومة حقوق الإنسان.

يتأتى هذا المنطق الفوقي من الأوليكارشية السياسية من تراكم ثلاثة أنماط من المشاعر الأقلوية، يقول كُل واحدٍ منها بأن الشعوب والمُجتمعات لا يُمكن أن تُضبط وتُحكم وتستقر بالآليات الديمقراطية التقليدية، التي يُمكن لها أن تُصعد الجماعات والتيارات غير “الأقلوية” إلى سُدة الحُكم، أو حتى أن تكون شريكة لهذه النُخب في ذلك. يشكل موقع وخيار المُحلل أبو فاضل في علاقته مع الشعب السوري وقضيته نموذجاً مثالياً عن ذلك التراكم.

تأتي مسألة الشعور الأقلوي الطائفي أو القومي في مُقدمة تلك المؤثرات. فأبو فاضل كعضوٍ سابق في حزب الكتائب اللبنانية، متأتٍ من عالم سياسي كان يُسمى “المارونية السياسية”، يرى الديمقراطية آلية قد تُعكر هيمنة النُخب السياسية المسيحية/المارونية على الكيان اللبناني. حيث طوال العقد الذي سبق اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، كان أصرار هذه النخب المارونية على حُكم لبنان دون ديمقراطية مُباشرة، أو أي اعتبارٍ للتحولات الاجتماعية والديموغرافية، كان ذلك سبباً جوهرياً لاندلاع تلك الحرب. فهيمنة الموارنة على العالم السياسي اللبناني كان يبدو وكأنه بداهة مُطلقة في أرواح هؤلاء الأقلويين، بالرُغم من كونهم “أقلية” سياسية/طائفية.

كان المفكر/الشهيد الفرنسي أميل سورا قد حلل شيئاً عميقاً عن علاقة المارونية السياسية بنِظام حافظ الأسد. فقد كان سورا قد لاحظ نوعاً من الحسد والغبطة التي تنتاب هذه النخبة المارونية تجاه الأسدية، فهي لا تستطيع أن تفعل بالجماعة الطائفية “المُسلمة” والجماعة السياسية “اليسارية” اللبنانيتين، كالذي كان يفعله الأسد بجماعاته المحلية أثناء أحداث حماة.

 كما أن النزعة الأقلوية الأخرى متأتية من علاقة أبو فاضل وأمثاله الكثيرين بالتيار الوطني الحُر وشخصية الجنرال ميشيل عون، المُستند بوعيه السياسي إلى فكرة علاقة وموقع ودور العسكر في المُجتمعات، التي ترى بأن جوهر المُعضلة الإنسانية كامن في فائض الحُرية وليس في فائض الاستبداد. العسكرة التي ليست مُجرد مؤسسة أو جهاز انضباط عام، بل تمتد لأن تكون شكلاً من الوعي والفهم لجوهر العلاقة بين السُلطة والمُجتمعات، للسياسية.

أخيراً، فأنه ثمة “مُركب الهيمنة الفظة”، التي تعقد بأنه ثمة في المُجتمعات طبقة ذهبية تجتمع فيها سمات القوة المادية والمعرفية والمُجتمعية والثقافية والسياسية، ورُبما الأخلاقية، وأن هذه الطبقة هي المُخولة بحُكم المنطق لأن تحكُم من لا يحققون شروطها وديناميكيتها، فهي الأكثر قُدرة على اختيار الأصح والأنسب. حيث أن إتاحة الفُرصة للطبقات الأخرى، أنما قد يضر بكامل التشكيلة المُجتمعية، بما فيها مصالح هذه الطبقات نفسها.

الفارق بين هذه الهيمنة الفظة وبين الأبوية التقليدية تجاه المُجتمعات، أن الأخيرة تشعر بفائض ودٍ وحُب اتجاه المُجتمعات، بينما الأولى مُتخمة بما لا يُقاس من الازدراء الأرعن تجاه هؤلاء، الذين يُعتقد بأنهم لا يُحكمون إلا هكذا.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...