من معتقلات الأسد إلى جامعة تشرين… كل شيء حولي يذكرني بشيء

كنت أحوج الناس منذ عامين لمرسوم من السيد الرئيس يتيح لي العودة إلى قسم اللغة الانكليزية بجامعة تشرين بعد اعتقال ميليشياته لي بداية الثورة، نعم … قواته اعتقلتني ومرسومه أنقدني، أهلًا وسهلًا بك في هذا السيرك المدعو “سوريا الأسد”.

لم أعد العدة كما يجب لأقدم امتحاناتي، ليس لي همة أو دافع لذلك،  لكنّي كنت مضطرًا للذهاب خوفًا من شبح السوق لخدمة عسكرية سأنال في نهاية مطافها لقب “شهيد الواجب الوطني” من طرف لا أطيقه، ولا أخفيك سرًا أنني لم أبحث عنه أيضًا من الأطراف المعارضة، “شهيدًا جميلًا في معتقلات الأسد”. يا سلام، هذا ما كان ينقصني، أنا الذي قضيت نضالي الثوري أحصي عدد المتظاهرين في بث مباشر على قناة الجزيرة، فرجة كلفتني  اعتقالًا وضربًا وقفت خلفه زميلتي الوطنية ابنة جبلة الأبية، التي علمت وبزلة لسان ما أقوم به من كفاح ثوري من صالون بيتنا، فكان خطها الجميل كفيلًا بإيداعي السجن أشهرًا طويلة، خرجت منه والقمل ينهش فروة رأسي، أذكر حتى الآن منظر الضابط غياث الذي أشرف بنفسه على تكسير أسناني الأمامية، عندما أعطاني ورقة بيضاء مذيلة باسمي وقال لي قبل الخروج: وقع ولا حيوان …أبقا بدي شوف وشك هوني.. متفهم شو مإحكي معك؟؟

 بكل براءة سألته وقتها: سيدي الورقة فاضية على شو بدي وقع…؟؟

سؤال كلفني تأجيل خروجي 48 ساعة، وتورم باطن قدمي لدرجة أنني خرجت وأنا أعرج.

الجو حار في قاعة الامتحانات هذه، صحيح أنه لا يشبه الحر الذي كنا نعانيه في أقبية المعتقل، لكن لا أدري لم الازدحام والفوضى يذكراني به، ظالمة هذه المقاربة أعلم ذلك. شخص مثلي خاض هذه التجربة وهو غير مقتنع أنه يستحقها أصلًا، من الطبيعي أن تسيطر على خيالاته لفترة طويلة كما يحصل معي الآن، توزيع الأوراق من مراقبة القاعة ذات الشعر الأصفر القميء وأحمر الشفاه الرخيص، ذكرني بوجبة الفاصولياء اليابسة المليئة بالدود التي أحضرها لنا حارس المهجع قسورة، كم تشبهين قسورة أيتها المراقبة، المعاملة القذرة نفسها والاستحقار للمعتقل الجالس أمامها، أقصد الطالب الجالس أمامها.

كتبت اسمي وبدأت أقرأ الأسئلة، هل نسيت اللغة الإنكليزية أم أن الأسئلة صعبة هذه المرة، آه صحيح تذكرت، أنا لم أحضّر لهذا الامتحان من الأساس فكيف سأجيد الإجابة؟  قضيت بعض الوقت أسرح في وجوه الطلاب، أسرح في السقف، عسى أن يأتيني فرج ويسود هرج ومرج لنصف ساعة أستطيع خلالها سرقة بعض المعلومات من هنا وهناك، وليتني لم أطلب ذلك…

أحد الطلاب أخبر المراقبة بضرورة إحضار الأستاذ المشرف على هذه المادة ليستفسر عن بعض الأسئلة، دخل الأخير وبدأ يتفتل بين الجموع كنجمة سينمائية، وضعت رأسي في ورقتي الفارغة وأشحت وجهي عنه كي لا يرى الضياع الذي أعيشه، بدأ يعلو صوته متحدثًا باللغة الانكليزية مع طالبة تجلس في المنتصف، وهنا مرت عبارة “أكل خرا” ، قلت في سري ما شاء الله كم تغيرت أمور أثناء غيابي حتى أصبحت كلمة خرا عادية التداول، الطالبة لم تسكت وبدأت بدورها بالردح، ساد هرج و مرج سعيت لاستغلاله لكن الطلاب كانوا صامتين يتفرجون على مشهد سريالي بين طالبة تردح لأستاذها الذي لم يتوانى بدوره عن الردح لها، هنا تدخلت قسورة مراقبة المهجع، أقصد مراقبة القاعة وطلبت منه الخروج وسيطرت خلال ثوان على الوضع.

خرجت وأنا أعلم أنني راسب، لكنني سألت عن سبب نعت تلك الطالبة بهذه العبارات من أستاذها، لأكتشف أنها كانت تعيد كتابة السؤال بصيغة جواب لتملأ أكبر فراغ ممكن من الورقة، كم هي لعينة، كيف لم تخطر لي هذه الفكرة، فلا أحد سيقرأ أصلًا ما كتبته، لتنجح معتمدة على عامل الحظ، أذكر أن أحد الأساتذة أخبرنا عن طريقته بتصحيح الأوراق، يقف على ناصية السرير ويرمي الأوراق عاليًا، ما يهبط على السرير فهو ناجح، على الأرض راسب، أما ما يقع على حافته فينجح شحطًا على الخمسين.

في اليوم التالي ذهبت إلى امتحان المسرح ونسيت ما حصل في القاعة، اعتبرت انه أمر عادي تشهده اسطبلاتنا التي يطلق عليها زورًا اسم جامعات، لكنني ذهبت وبنيتي فعلًا أن أنفذ ما فعلته هذه الطالبة حرفيًا، وعند توجهي إلى بوابة الجامعة للدخول فوجئت بالحرس يطلبون مني أن اتفضل معهم لخمس دقائق، انا أعرف جيدًا هذه الخمس دقائق، العبارة نفسها التي قضيت بفضلها أشهرًا تحت رحمة قسورة دون أن أقترف شيئًا، بدأت ركبتي بالانحلال، وبدأت أسأل السؤال الغبي “شوفي…أنا ما عامل شي” ، وجاء الجواب ذاته “هلأ بتعرف”.

توجهنا إلى مكتب “اتحاد طلبة سورية”، وما أدراك ما هو مكتب “اتحاد طلبة سورية”، وجدت أمام المكتب وجوها لمحتها يوم أمس، لكن الفرق أنهم مائلون للصفار هذه المرة، وقفت معهم وانتظرنا ولا نعرف ماذا يجري، خرج إلينا أحد أعضاء المكتب وقال لنا، أول خمسة يدخلوا معي، ولسوء حظي كنت منهم، دخلنا مكتبًا تظنه لوهلة مكتب رئيس فرع المخابرات الجوية، حرس على الباب، صور بشار وماهر الأسد تملأ المكان، تكييف يجعلك تتجمد، أثاث فاره، شاب يصغرك سنًا بملامح تقدح شرارًا، طويل بعض الشيء يجلس خلف مكتب ويدعي الانشغال الكثير، سألنا دون أن يتكلف عناء النظر في وجوهنا: شو صار مبارح بالقاعة هنت وياه؟؟؟

يا إلهي، أعرف هذه النبرة جيدًا، أين أنا؟؟ بدأت أسأل نفسي التي دخلت في حالة من الضياع، هل أنا أمام الضابط غياث في الفرع أم أنني في الجامعة؟؟

بدأ الطلاب يسردون ما شاهدوه، غياث أو لا أدري ما اسمه لم يقتنع بالرواية، “متقول الطالبي إنو ضربا وسب على عيلتا وقلا يا شرموطة”، نفى الطلاب ما جرى لكن غياث، أو من لا أعرف اسمه حتى الآن أصر على أن مصادره أخبرته بأن الأستاذ انهال على طالبات القاعة بالسباب والشتائم النابية، وعندما علا صوته خاف الطلاب وصمتوا، وقتها نظر إلي وقال “هاد اللي صار ما هيكي؟؟”، دون تفكير قلت له: صح سيدي…قصدي أستاذ.

أخرج بضعة أوراق فارغة وقال لنا: يلا كل واحد يكتب اسمو وتوقيعو..

 هنا بدأ بعض الطلاب بطرح ذات السؤال الغبي: “عشو بدنا نوقع؟؟ الورقة فاضية”.

 ودونا عن الجميع، سارعت إلى الورقة، ووقعت دون أدنى تفكير، متحسسًا قدمي اليسرى التي بدأت تسري بها حرارة غريبة، حرارة ذكرتني بشيء ما.

——————-

ملاحظة: الحادثة حصلت فعلًا في 16 – 07- 2018 خلال امتحان الترجمة لطلاب السنة الرابعة بقسم اللغة الإنكليزية

نبذة عن الكاتب

بتول العلي

صحافية سورية

Loading Facebook Comments ...