في هلسنكي: لليمين أمميته أيضًا

ربما لأول مرة في ذاكرتنا المعاشة، يتم اتهام رئيس أمريكي في اثنتين من كبريات الصحف الأمريكية، واشنطن بوست ونيويورك تايمز، بالخيانة العظمى وشبهة العمالة لدولة أجنبية معادية. فتصريحات ترامب في المؤتمر الصحفي المشترك مع نظيره الروسي في هلسنكي، والتي وصفتها محطة فوكس نيوز بالمقززة، لم تكتف بنفي تهم التلاعب في الانتخابات الأمريكية عن الروس، بل شككت في المؤسسات الأمنية والمخابراتية الأمريكية التي تقف وراء تلك الاتهامات. بدى ترامب أقرب إلى موقف الروس منه إلى الادعاء العام لبلده، والذي وجه إلى 12 ضابطًا روسيًا تهمًا تتعلق بالقرصنة ونشر وثائق سرية للحزب الديمقراطي. بل وفي تغريدة على موقع “تويتر”، اتهم ترامب بشكل ضمني الإدارات الأمريكية السابقة بـ”الغباء” و”الحماقة” وتسببها في تدهور العلاقات مع الروس.

لكن، وبالرغم من الهجوم الذي تعرض له ترامب سواء من الديمقراطيين أو من داخل حزبه الجمهوري نفسه بعد قمة هلسنكي، فإن تصريحاته الصادمة تأتي متسقة تمامًا مع خطابه السياسي الأوسع، ولا يبدو أنها ستزعج قاعدة تأييده الداخلية كثيرًا. فالتشكيك في المؤسسات الأمريكية الحكومية والمنتخبة، ومعها النخب الثقافية والسياسية والإعلام، كانت حجر الأساس في حملته الانتخابية، وعنصرًا أساسيًا في اجتذاب الأصوات الناقمة على المنظومة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن تشكيك ترامب في مؤسسات مثل “إف بي آي” و”سي آي إيه” يبدو متسقًا تمامًا مع نقد اليسار، سواء الأمريكي أو العالمي، لتلك المؤسسات تحديدًا. والأمر ليس غريبا على الإطلاق، فالصعود الحالي لأقصى اليمين عالميًا جاء متزامنًا مع تبنيه لنقد اليسار الموجه ضد المؤسسة والعولمة وغيرها.

ارتكن ترامب منذ انطلاق حملته الانتخابية إلى نظرية المؤامرة، وإذكاء حس بالمظلومية لدى الجماعة البيضاء المتفوقة. وفي ذلك، قام بالبناء على تراث يميني طويل، يروج للتهديد الذي تعانيه الأغلبية في بلدها، من المهاجرين والمغايرين، وهو خطر تقف وراءه مؤسسات الدولة بلينها أو تواطئها. ولا يظهر أن موقف الرئيس الأمريكي من المؤسسات الأمنية والادعاء العام في قضية القرصنة الروسية خارج سياق نظرية المؤامرة تلك.

لكن، وإن كان التشكيك في المؤسسات الوطنية مقبولًا، بوصفه نقدًا داخليًا، إلا أن فعل ذلك لصالح دولة أخرى، وفي سياق مؤتمر صحفي مع رئيسها، يصعب القبول به. يظل ترامب حتى في ذلك متسقًا مع خطابه السياسي ومرجعيات قاعدة مؤيديه. فتوقير القوة، واحتقار الضعفاء لطالما كان بوصلة لأقصى اليمين. وليس من المفاجئ أن يشير ترامب في نهاية المؤتمر الصحفي إلى ضرورة التفاهم بين البلدين، لا لشيء سوى لأنهما “بلدين نوويين كبيرين”. وغالبًا كان مبرر قريب من ذلك هو ما دفعه للقاء الرئيس الكوري الشمالي. لا يخفي ترامب تفضيله للحكام الأقوياء، من بوتين مرورًا بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان ووصولًا إلى المصري عبد الفتاح السيسي، وكذا لا يخفي عداءه للحكومات التي يراها لينة أكثر من اللازم، وتقيم وزنا ولو صوريًّا، لقيم حقوق الإنسان والبيئة والمساواة. فهو قام بانتقادات علنية للاتحاد الأوروبي، ولألمانيا تحديدًا، على خلفية سياستها فيما يخص اللجوء والهجرة.

فكما أن لليسار أمميته العابرة للحدود الوطنية والقومية، فإن اليمين كان له دائمًا ولا يزال نموذجه الخاص من التضامن الأممي. فبالرغم من التعارض الظاهر بين الحركات اليمينية المتطرفة في كل بلد على حدة، فإن أشكالًا من التعاون المباشر أو التعاطف تتشكل فيما بينها. يبدو ذلك واضحًا في التنسيق بين الأحزاب اليمينية في أوروبا سواء في التظاهرات الجماهيرية والحملات الانتخابية، أو في التصويت  داخل البرلمان الأوروبي، وكذا في ميل الحكومات اليمينية في شرق أوروبا إلى التعاون مع موسكو، في الوقت الذي يرتفع صوتها فيه بنقد الاتحاد الأوروبي. وبالإضافة إلى دعم ترامب المعلن لخروج بريطاني خشن من أوروبا، فإن أقصى اليمين الأوروبي لا يخفي إعجابه بترامب بوصفه مثلًا أعلى، وهكذا.

يأخذ ترامب في مؤتمر هلسنكي نقده للمؤسسات الأمريكية، إلى مداه الأقصى، وهو غالبًا ما سيثير حماسة مؤيديه في الداخل، ويعلن أيضًا بشكل علني عن شراكة ضمنية مع نموذج الحكام الأقوياء، والدول الحازمة، حول العالم. وسيحتفي منتسبو أممية اليمين في كل مكان بهذا أيضًا. سيخسر ترامب بالتأكيد بعضًا من مؤيديه الأكثر “وطنية”، مقابل اندفاع منتقديه إلى الاستبسال في الدفاع عن سمعة “سي آي إيه” وقيم الوطنية بحس شوفيني، من باب العند لا أكثر، وبذلك يتزحزح الجدل السياسي أكثر نحو اليمين، بين نقد المخابرات المركزية لصالح روسيا، أو الدفاع عنها باسم القيم الوطنية.

نبذة عن الكاتب

شادي لويس

كاتب وباحث مصري، حاصل على شهادة الماجستير في علم النفس من جامعة إيست لندن، يكتب المقال في عدد من المواقع والصحف العربية

Loading Facebook Comments ...