خياران لابن سلمان، إما الربيع العربي أو إيران

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

بالنسبة للأمير محمد بن سلمان، ولي عهد المملكة العربية السعودية، وما يمثله من مشروع، فإن الأحوال المُحيطة به لا تبدو على ما يُرام. خصوصاً على المستوى الإقليمي والاستراتيجي.

ليس الأمير محمد مُجرد ولي عهدٍ عادي لإحدى إمارات أو ممالك المنطقة، بل لاعتبارات تتعلق بعُمره والآلية التي تم تعينه بها ولياً للعهد، ولأخرى أعمق تتعلق بموقع المملكة العربية السعودية، الجُغرافي والاقتصادي والرمزي، فأن الأمير وخيارات استراتيجيته وتوجهاته المُستقبلية، أنما ستكون أكبر وأهم مؤثر على حاضر ومُستقبل منطقتنا.

 راهناً، وفيما يُعاين بن سلمان اللوحة الجيوسياسية المُحيطة به وبمشروعه ومملكته، فأنه لا يجد سوى موجتين متوازيتين من الأحداث، تمسُ كُل واحدة منها الأمن الاستراتيجي للعربية السعودية:

ففي سوريا ومصر واليمن وليبيا، يشاهد الأمير كيف أن فشل الربيع العربي أنما يأتي بكوارث غير محسوبة ولا مأمونة الجانب. فهذه الدول التي فشل فيها الربيع العربي، بما كان يُمثله من أفق وخيارات وتحولات، وكان للعربية السعودية أدوراً متفاوتة في اختلاق ودعم حركات الانقلاب المناهضة لهذا الربيع العربي، يشاهد الأمير كيف أن هذه الدول صارت بؤراً للأزمات المُركبة، دولاً مُهترئة وغير قادرة على لعب أي دورٍ في منظومة الأمن الإقليمي، العربي بالذات، التي تُشكل العربية السعودية واحدة من مراكزها الرئيسية، وحيث أن انهيار هذه المنظومة صار يُعرض الأمن القومي السعودي نفسه لأزمة مُتعاظمة.

على الضفة الأخرى، فأن ولي العهد يشاهد كيف أن إيران تتمدد على كافة الجبهات المُحيطة بالمملكة، في سوريا ولبنان واليمن والبحرين، وأولاً في العراق. إيران التي تملك مشروعاً استراتيجياً للتوسع الإقليمي في المنطقة، بالذات تجاه المملكة. فذروة ما تتمناه إيران هو الهيمنة السياسية والرمزية على المملكة العربية السعودية، كمركز للإسلام، القيمة والطاقة المعنوية الأكثر قداسة ورمزية، التي يستطيع النِظام الإيراني تحويلها لآلية لديمومة سُلطته. وحيث أن إيران تتعمد استراتيجية تتعمد تفتيت العالم السياسي لدول المنطقة من خِلال اللعب على حساسية مجتمعاتها الداخلية، وهو ما قد يُشكل خطراً داهماً على استقرار، ورُبما وحدة المملكة السعودية، فيما لو واصل المشروع الإيراني توسعه الراهن.

لكن ذلك لا يجب أن يظهر وكأنه قدرٌ حتمي للعربية السعودية والمشروع المُستقبلي لولي العهد. فمثلاً، ماذا لو تخيلنا لوحة أحوال المنطقة، فيما لو كانت المملكة العربية السعودية قد اختارت مساراً آخر للتعامل مع أحداث الربيع العربي مُنذ ثمانية سنوات وحتى الوقت الراهن.

لو صارت سوريا دولة متحررة من الاستبداد الأسدي المُطلق مثلاً، حيوية وبها حُريات وانتخابات وحياة سياسية عامة، للعربية السعودية فيها نفوذ نسبي، شبيه بما كانت عليه الأحوال في خمسينات القرن المنصرم، زمن الديمقراطية البرجوازية. ولو كانت مصر دولة مدنية متحررة تماماً من أية هيمنة مُطلقة، تشبه أحوالها الحياة العامة في تونس، بمجلس نيابي ذو تمثيلٍ حقيقي، وسُلطة تشاركية بين كافة التيارات السياسية في البِلاد. وفيما لو تخيلنا الوضع على هذا المنوال في ليبيا والأردن والمغرب، وحتى في البحرين نفسها.

دون شك، فأن الخيار المُطلق لهذه الدول ومُجتمعاتها كان سيكون مناهضاً لاستراتيجية التوسع والهيمنة الإيرانية، لا لسبب عقائدي طائفي، أو أثني قومي، بل لتعارض جوهري بين ما تعرضه إيران من مشروع سياسي قهري قائم على المركزية والتبعية، وبين حيوية الحياة العامة والأفق المفتوح الذي كانت ستكون عليه هذه الدول، فيما لو كان الربيع العربي قد انتصر فيها، بدعم واضح من المملكة السعودية.

لكن ذلك ما كان له أن يحدث دون تحولات جوهرية كان على سُلطة الحُكم المركزية في العربية السعودية نفسها، على ما كان يجب أن تُقدمه لمُجتمعها الداخلي، كتوافق مع تحولات الربيع العربي. حيث أن هذا السبب بالذات رُبما كان السبب الحقيقي والمركزي الذي دفع استراتيجية العربية السعودية لأن تساهم في الموجة المُناهضة للربيع العربي. إذ لم يكن يُعقل أن تدعم العربية السعودية حركة ضخمة وكُلانية في كامل المنطقة تدفع نحو الحُريات وبناء الديمقراطيات، دون أن تُحدث تغيرات وتحولات في داخلها نحو ذلك الشيء.

الأمير محمد يجب أن يرى أكثر من جميع الباقين، وهو الذي يعاين تفاصيل علاقات بِلاده مع الدول “الحامية”، وبالذات الولايات المُتحدة الأمريكية، وأن يختار خياراً واحداً،  أما أن يكون ويحمي نفسه ومملكته بإصلاحات حقيقية في الداخل السعودي، أو أن يواجه الموجتين معاً، فشلُ الربيع العربي وانتصار إيران.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...