العضّاضون

خرج شيركو وعبدو ولقمان ومجيد وإبراهيم وجوان وعبد القادر من اجتماعهم السريّ المنعقد فوق بيت السيدة نوليا العزباء الأبديّة والتي مرّ كلّ رجال الحيّ من بين فخذيها. قدمت لهم نوليا سطحها لعقد لقاءاتهم هناك، ولم تكن تعرف أنّ نتائج واحد من هذه اللقاءات ستغيّر تاريخ هذا الكوكب.

هذه المجموعة مؤلفة من أصدقاء كبروا سويّة في حيّ عشوائي فقير لم يكملوا تعليمهم وتحولوا مع مرور الوقت إلى أشخاص عاطلين عن العمل لا أهمية لهم في الحيّ ولا يعيرهم أحد أي انتباه، كما لو أنّهم ليسوا جزءًا من حركة البشر على الأرض، كما لو أنّهم هامش وباقي البشريّة متن.

قرروا أن يكون جوان قائدهم في مهمة تغيير العالم والسيطرة عليه، أطلقوا على أنفسهم اسم “العضّاضون”. نائب جوان الأول سيكون شيركو ونائبه الثاني لقمان، وكلهم بلا استثناء عاملون فاعلون من أجل نجاح خطتهم. كانت فكرتهم بسيطة وسهلة التطبيق: سنعضّ الناس من رقابهم ونحن عراة وبعدها سنقفز ونصيح ونصرخ ونرقص حول المعضوض الذي تسيل الدماء من رقبته.

اتفقوا على أن يكون العمل سريًا في الفترة الأولى وبعد أن يزرعوا الفزع في قلوب سكان المدينة سينطلقون إلى العلن. خلال هذه الفترة سوف يجندون الكثير من الأتباع الذين يؤمنون بالعضّ كطريقة انتقام من البشريّة التي لم تهتم بهذه الطائفة من الشباب الفقراء المعدومين الذين لا مستقبل لهم في أحيائهم العشوائيّة في واحدة من مدن الخراب العالمثالثيّة.

كانت خطتهم واضحة كالشمس، لن يرأفوا بأحد، وضحيتهم الأولى ستكون نوليا العزباء. سيعضون رقبتها تباعًا بعد أن يغطوا وجوههم في الليلة التي تلي ليلة اجتماعهم. سيصرخون ويزعقون وقبل أن يخرج الناس النائمون من بيوتهم سيولون الأدبار. وهذا ما حدث؛ تفاجأ الناس بالهجوم على نوليا محبوبة رجال الحي. كان الاعتقاد السائد بأنّ زوجة الطبيب قد استأجرت أولئك الشبان من أجل الانقضاض على سارقة زوجها. لكن هذا الاعتقاد زال بعد أيام قليلة حين كثر الضحايا في الحيّ.

كان عدد المعضوضين في رقابهم يزداد يومًا بعد يوم، وانتشرت الأخبار في أرجاء المدينة كلّها إلى الحد الذي لم يعد يخرج فيه أحد من البيت ليلًا خوفًا من أن يعضه أحد ما من رقبته.

توالت الأيام وكبرت أسطورة “العضّاضون” وتشكلت مجموعات في مدن عديدة ادعت انتماءها إلى “العضاضون” وآمنت بـ”العزيز جوان” زعيمًا روحيًا لها، حتى أن قناة تلفزيونيّة بريطانيّة عرضت تقريرًا مطولًا عن الخطر الجديد الذي بدأ ينتشر في بعض مدن العالم الثالث.

في اليوم الثاني من السنة الجديدة شهد العالم الأول أول حالة عضّ، وقد حدث ذلك في مدينة ستوكهولم، كان الشاب عائدًا إلى بيته بعد الاحتفال بقدوم السنة الجديدة حين هجم عليّه ثلاثة أشخاص ادعوّا لاحقًا انتماءهم إلى “العضّاضون”. لم تكن هذه سوى البداية، شرارة الانطلاق.

خلال هذه السنة كثرت الحوادث في المدن الأوروبيّة والأمريكيّة وبات الحديث عن حوادث العضّ الأكثر شيوعًا في محطات الأخبار، وكانت الضواحي الفقيرة في هذه المدن الممتلئة بالفقراء والمهاجرين والهيبسترز والأناركيين مركزًا لمجموعات “العضّاضون” وكانت صور “العزيز جوان” ترسم بسرعة على الجدران وتطبع على التيشيرتات وتعلّق على جدران الغرف.

بكلمات بسيطة يمكننا القول بأنّ جنون العضّ قد احتل العالم بعد سنوات قصيرة من اجتماع سطح بيت السيدة نوليا، أي بعد وصول بعض المؤمنين بالعضّ إلى مراكز الحكم والبرلمانات. دخل “العضّاضون” إلى كلّ الشوارع العريضة والضيقة، الصغيرة والكبيرة، حتى أنّ بعض المجموعات اقتحمت بعض بيوت الأبرياء المساكين وعضّوهم من رقابهم.

امتلأت شوارع هذا الكوكب، أو بالأحرى شوارع الجزء النظيف من الكوكب، بثياب “العضّاضون” الوسخة التي كانت تُرمى في كلّ مكان، فديانة العضّ تنص على أن يتم العضّ دون ثياب كي يخاف الناس من هؤلاء الوحوش الذين تخلوا عن كلّ ما له علاقة بالبشر. هكذا كانت تعضّ الرقاب النظيفة بأسنان وسخة مقتلعة جزءًا من جلدها وناشرة بعض بقع الدماء هنا وهناك.

أصبحت رؤية “العضّاضون” في الشوارع وهم يضحكون ويصخبون بفرح من المشاهد المعتادة في معظم مدن العالم، كما كانت مشاهد الخوف والفزع والرعب منهم معتادة أيضًا. أصبح “العضّاضون” أسياد الأرض وملوكها وأصبح “العزيز جوان” إلهًا يُعبد في البيوت وفي دور العبادة التي أنشأت على أنقاض معابد الديانات القديمة. كانت لهم أغنياتهم وترانيمهم التي لا يفهمها سواهم، يرقصون رقصات غريبة عن العالم المتحضّر ويتحدثون بأصوات عالية تثير الرعب في نفوس الآخرين. كانوا بحق زعماء شوارع الكوكب والآخرون كانوا غائبين عن الوعي لم يفيقوا بعد من تأثير الصدمة.

بعد سنوات طويلة استفاق أهل العالم الأول من صدمتهم وحاولوا التآمر ضد “العضّاضون” وسجنهم في غيتوهات أُنشئت على عجل لكن هذه السجون والغيتوهات تحولت إلى مؤسسات للعضّ، يقف الناس في طابور طويل كي يأخدوا حصتهم اليوميّة من العضّ وفق قوائم عادلة لكل البشر ومن يتخلف عن المجيء سيعرض نفسه لعقوبة العضّ حتى الموت.

أصبح العضّ خلال سنوات محور حياة البشر على كوكب الأرض، كان نشاطًا مهمًا كالجنس والأكل والشرب، وكان عَلم “العضّاضون” هو العلم الوحيد المسموح برفعه في الشوارع وعلى الأبنيّة وكان هذا العلم عبارة عن قطعة قماش ذات لون بنفسجي وفي وسطه نابان إنسانيان مستوحشان، عليهما بعض النقاط من الدماء، وفي المنتصف تمامًا قطعة جلد بيضاء جميلة نظيفة مقتلعة من رقبة أحد الضحايا. ولم يكن هناك ثياب رسميّة لـ”العضّاضون” فكلّ الأنشطة الرياضيّة والثقافيّة والاقتصاديّة كانت تمارس دون ثياب. عراة بشكل كامل. وأصبح “العزيز جوان” زيوس هذا العصر، عصر العضّ والخراب.

نبذة عن الكاتب

دلير يوسف

‏ كاتب ومخرج من سورية، مقيم حالياً في العاصمة الألمانية برلين

Loading Facebook Comments ...