مونديال سوري

بعد مبارة روسيا وإسبانيا في المونديال الحالي، في الدور الثاني، والتي فازت فيها روسيا وأخرجت الفريق الإسباني العريق من كأس العالم، كتب معارضون سوريون، من المعارضة الوطنية كما يطلقون على أنفسهم تمايزا عن المعارضة الخارجية، كتبوا على صفحاتهم على فيسبوك: “لقد انتصرنا ودحرنا الإسبان”! سيخيل التالي لمن يقرأ منشورًا كهذا ولا يعرف ماذا يحدث أو من هم هؤلاء المعارضون: إما أن الفريق السوري هو من كان يلعب مع إسبانيا وأخرجها من المونديال، أو أن هؤلاء ليسوا سوريين البتة وإنما روس يتقنون العربية، أو أنهم  من أصول روسية أو ذوي امتداد روسي ما! لن يصدق أحد أنهم سوريون، ومنهم من  ينتمي إلى جبل اسمه جبل العرب بالتحديد، وأن لا صلة قرابة تربطهم بأي روسي على الإطلاق! ما الأمر إذًا؟! ما الذي يجعل مواطنين  سوريين يضعون (نا) الدالة على الجماعة الفاعلين في نهاية كلمة (انتصر) في لعبة كرة قدم؟!  صحيح  أن مشجعي كرة القدم في العالم يتماهون مع الفرق التي يشجعونها حتى لو كانت فرقًا من قارات أخرى، لكن المنتخب الكروي الروسي ليس بالفريق العريق، ولا تاريخ مميز له بكرة القدم، وليس على قائمة المنتخبات ذات الشهرة العالمية، لا في المونديالات ولا في ترتيب المنتخبات الدولية عمومًا، وليست كرة القدم لعبة عريقة أصلًا في روسيا، هي ليست البرازيل ولا إسبانيا ولا إنكلترا ولا الكاميرون، الفريق الروسي يفوز بالحظ  لا بالعراقة، ما الأمر إذًا؟!

يبدو الحال وكأن ثمة اعتراف ضمني لدى المعارضة السورية التي أنشأها النظام في الداخل، مثلما لدى مؤيدينه، أن سوريا أصبحت دولة تحت الوصاية الروسية، فروسيا ساعدت النظام على دحر (الإرهابيين) كما يسمي النظام ومؤيدوه كل من خرج ثائرًا ضده، فمن الطبيعي إذًا ردّ الجميل للروس، ورد الجميل على ما يبدو هو بالإقرار أن سوريا تحولت إلى محافظة روسية، وأن فلاديمير بوتين هو الحاكم الفعلي لسوريا بينما بشار الأسد يشبه محافظًا أو واليًا، على طريقة ولاة السلطنة العثمانية إبان حكم العثمانيين لبلاد الشام، وهو يظهر بوضوح وجلاء مع ما تقوم به روسيا من تحديد المفاوضات وعقد المصالحات وتقديم الضمانات وإلى آخر ما هنالك من أمور إجرائية تتعلق بالوضع السياسي السوري، سواء في الداخل أو الخارج.

ولا يبدو حال قسم من الخارجين على نظام الأسد في علاقتهم مع تركيا بأفضل من حال المؤيدين له مع الروس، إذ يتصرف هؤلاء أيضًا وكأن الشمال السوري أصبح جزءًا من تركيا، ولوكانت تركيا قد تأهلت إلى المونديال لوجدنا سوريًا معارضًا يكتب على صفحته: لقد انتصرنا، بـ(نا) الجماعة الدالة على الفاعلين، فتركيا أيضًا تتصرف مع المعارضة كتصرف روسيا مع النظام، تفاوض وتعقد الصفقات وتقدم الضمانات، ويعقد أتباعها في الشمال السوري مهرجانات الفرح احتفالًا بفوز رجب طيب أردوغان بالانتخابات الرئاسية ويوزعون الحلوى، إلى آخر ما هنالك مما يفعله تماهي الشعوب مع محتليها.

والحال، تبدو سوريا والسوريون اليوم وكأنهم ثلاث دول، سوريون روس وسوريون أتراك وسوريون مشتتون في بلاد الله الواسعة، وفي داخل سوريا الأرض، يحلمون بسوريتهم واحدة موحدة، دون أن يكون لديهم أدنى فكرة متى سيتحقق هذا الحلم، أو ربما فقدوا أملهم بتحققه، فكل ما يحدث يشي باستمرار هذا الانقسام، ولعل تفاعل السوريين مع مجريات المونديال يوضح الصورة الحقيقية لوضعهم، وربما من المهم الإشارة إلى الاحتفال الفيسبوكي لبعض السوريين قبل عدة أيام، حين أخرجت كرواتيا روسيا من المونديال، بدا الأمر وكأن هؤلاء السوريون هم من أخرجها، كأنهم أيضًا في هذا الاحتفال الافتراضي يعلنون وصفهم لروسيا بدولة الاحتلال، بينما بالمقابل كان قسم آخر من السوريين يكتب عبارات الأسف والحزن على خسارة الفريق الوصي، هل من دمار مجتمعي ونفسي وصل إليه شعب كماهو حال السوريين اليوم؟!

نبذة عن الكاتب

رشا عمران

شاعرة وكاتبة سورية، أصدرت 5 مجموعات شعرية، كما أصدرت أنطولوجيا الشعر السوري من 1980 إلى عام 2008. وتكتب المقال في عدد من المواقع والصحف السورية والعربية.

Loading Facebook Comments ...