فرويد والجنس، الأسد والعالم

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

 

في واحدة من تحليلاته الشهيرة حول السلوك الجنسي، فأن سيغموند فرويد يذهب للقول بأن البشر بغالبيتهم المُطلقة يُمارسون السلوك الجنسي في المجال الخاص جداً، في سترٍ وخفاء وبسرية، لأن السلوك الجُنسي يهتك الصورة المُتخيلة التي اختلقها وشيدها وراكمها هؤلاء البشر عن انفسهم، عن ذواتهم وسُلطتهم الرمزية ومكانتهم.

فالجنس بهذا المعنى أنما يكشف للبشر جذورهم “الحيوانية” ونزعاتهم غير “العقلانية” وانفعالاتهم الصميمية التي تكشف اشكالاً من ضعفهم وخضوعهم لغرائزهم. في وقتٍ يكونون قد خلقوا لأنفسهم صورٍ مُركبة بالغة الهالة، كمخلوقات بالغة العقلانية المحضة، مُسلحين بسُلطة الانفعال الرسمي المضبوط والجسارة والإباء، مكتنزين اشكالاً من الوعي الأعلى القادر على اختلاق هالات متوهمة حول معنى ومكانة وهوية وصورة هذا الشخص، الأشياء التي يهتكها ويمزقها السلوك الجنسي، الذي هو في كُل حالٍ شيء بالغ الحقيقية والأصالة في البشر، لا يستطيعون التخلص منه وتجاوزه.

لأجل ذلك التناقض البيّن والواضح بين صورة البشر عن انفسهم من طرف، وبين أصالة السلوك الجنسي فيهم وما يخلقه من هتكٍ لتلك الصورة، يرى فرويد أن البشر قد خلقوا آلية الإخفاء والستر للممارسة السلوك الجنسي، وإظهار أعلى درجات الرِفعة وعدم الكشف عنه في حياتهم العامة المُعلنة. كحلٍ يمنح البشر القُدرة على ممارسة هذا السلوك الأصيل، دون أن يتمكن هذا الأخير من تحطيم ما يرسمونه من هالات حول أنفسهم.

يكاد هذا التحليل الفرويدي أن يكون قادراً ومناسباً على اختلاق صورة مركزية وموضوعية عن علاقة العالم بشخص وسلوك ونِظام بشار الأسد، وما يشبه من ديكتاتوريين عالم ثالثيين.

فالعالم في هذا المقام، بالذات منه تلك الدول والمؤسسات الدولية والقوى السياسية والثقافية والمعرفية والاقتصادية، أنما يشبه البشر في التحليل الفرويدي. فلهذا العالم صورٌ نمطية وهالات مُصطنعة حول ما يعتبرونه ذواتهم. صوراً تعتقد بأن هذا العالم أنما حضاري ومُتمدن وبه اشكال كثيرة من العدالة واحترام منظومة حقوق الإنسان وشرعة الأمم وقيم التعايش والتعاضد العالمية، يدافع عن المبادئ والتطلعات السامية والقيم الآدمية العُليا.

لكن هذا العالم نفسه، بالذات منه تلك التشكيلات والقوى المركزية والقوية، أنما يرى نفسه داعماً مُباشراً لنِظام بشار الأسد، الذي يُناهض ويهتلك بسلوكياته كُل تلك الصور والشعارات والعوالم القيمية التي اصطنعتها هذه التشكيلات والقوى والدول العالمية حول نفسها.

فبشار الأسد ونِظامه السياسي يظهر وكأنه حتمية مُطلقة وأصيلة وجوهرية، لا يُمكن القفز عليها وتجاوزها من قِبل هذه القوى، التي تمده بالشرعية وغض النِظر وبالكثير من اشكال الدعم مُنذ ثمانية سنوات وحتى الآن، وإن بسرية وخفاء غير مُعلن عنه، وإن كان ذلك واضحاً من خِلال اشكال التناغم والتواصل والغزل الذي يتبادله الطرفان.

فالأسد في العُمق، يظهر وكأنه واحد من الثيمات الرئيسية لطبيعة النِظام السياسي وهوية الفعل المركزي في العلاقات الدولية لهذا العالم. فهو بسطوته وجبروته وقبضته التي لا تلين، أنما يشبه هذا العالم ومراكزه القوية وعلاقة الهيمنة التي يمارسها تجاه القوى والمناطق والشعوب الأكثر ضعفاً وهامشية. كذلك فأن الأسد بمؤسساته نِظامه وضوابطه المعروفة والمُحكمة، أنما يُطابق متطلبات هذا العالم، الذي لا تروق له مُجتمعات الأطراف غير المضبوطة وغير الخاضعة. فوق ذلك، فأن الأسد يتطابق مع ذلك العالم على المستوى القيمي والهوياتي، ودرجة تناقضه، ورُبما عداوته، لشعبه وبيئته المحلية، تكاد أن تكون مُطابقة لدرجة تناقض وتباين هذه المراكز العالمية مع العوالم والبيئات والمُجتمعات غير المركزية في المُجتمع الإنسانية.

على ضفتي ذلك النمط من الفصام والوصال تتشكل علاقة بشار الأسد مع العالم. فهذا الأخير يدعمه ويسعى للحِفاظ عليه وتثبيت أركان حُكمه، لكنه في نفسه يستعير منه، يعتبره شيئاً دونياً وخادشاً للحياء العام لهذا العالم والهالة النمطية التي خلقها حول نفسه. لذا بالضبط، فأن العالم اختار أن يدعم الأسد في الخفاء والستر ودون أي إعلان مُصرح عنه بوضوح، وأن يُندد به ويهجوه همجيته وجرائمه في العلن.

أنها العلاقة المُعقدة بين العالم ونِظامٍ كنِظام بشار الأسد، أنها العلاقة الغرائزية المُطلقة.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...