تغييرات ديموغرافية ومحاولات تأقلم في عفرين

“خرجنا منذ اليوم الأول لاندلاع المعارك، ضيعتنا كانت تمثل خط جبهة”، يعلق رجل كردي سوري خمسيني من مشارف مدينته عفرين، بانتظار السماح له ولعائلته بالدخول، عقب عودتهم إليها مجددًا، فيما يشرح أبو سعيد، أحد مهجري الغوطة الشرقية في عفرين: “بعض الأهالي يظنون بأننا قدمنا لنستحوذ على أرضهم وبيوتهم، وهذا غير صحيح على الإطلاق، هذه الأرض أرضهم، ونحن مجرد ضيوف”.

شهدت مدينة عفرين في الآونة الأخيرة عودة تدريجية لسكانها، تمثلت بداية عبر محاولات دخول فردية، سرعان ما ازدادت وتيرتها، لتتجمع قبل أسابيع قوافل ضخمة من السيارات المحملة بالأهالي الراغبين بالعودة لمدينتهم الأم، والتي كانت استقبلت مؤخرًا موجة كبيرة من المهجرين، النازحين من حمص وحلب ودير الزور، بالإضافة لقسم من مهجري الغوطة الشرقية وأحياء جنوب دمشق.

عودة البعض من أكراد عفرين لبيوتهم

“نحن خرجنا من أول يوم في المعركة، فقريتنا كانت على خط الجبهة، ونزلت بها قذائف كثيرة، لذا نزحنا فورًا، وعدنا الآن، وما زلنا ننتظر أن تسمح لنا القوات التركية بالمرور”، يروي رب أسرة عفريني، وهو يقف ضمن طابور طويل من السيارات المتجمعة عند مشارف المدينة منذ اليوم السابق.

ويستأنف: “قبل قليل قام الجيش التركي والجيش الحر بتفتيش السيارات، وأخبرونا بأنهم سيقومون بإدخالنا على الفور، لم نتعرض لأي مضايقة أو محاولة ابتزاز على الإطلاق”، في حين يشير أحد الشبان العفرينيين العائدين، رافضًا الكشف عن هويته أن العديد من الأهالي تعرضوا لعمليات ابتزاز أثناء طريق العودة، مروراً بحواجز النظام السوري، وانتهاء بمسلحين مجهولي الهوية وآخرين تابعين لفصائل المعارضة.

“هناك من دفع نحو ألف دولار أميركي لعناصر تابعة للنظام السوري مقابل اجتياز الحاجز باتجاه عفرين”، يوضح الشاب، مضيفًا: “أيضًا بعد دخولنا للمناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، تعرض لنا رجال مسلحون يتحدثون اللهجة الديرية، وأخذوا من كل سيارة ما يقارب 25 ألف ليرة سورية، كما طالبوا أيضًا بمبالغ إضافية، مقابل دخول النساء وعدم احتجازهن”.

 

توتر ومنشورات عنصرية

سادت عفرين أجواء مشحونة بالتوتر، وذلك عقب استقبال المدينة أعدادًا كبيرة من النازحين والمهجرين قسريًا، ولا سيما من أبناء الغوطة الشرقية، وساد اعتقاد بأن هناك صفقة عقدت بين الروس والأتراك مفادها: “الغوطة مقابل عفرين”.

“نحن قدمنا لعفرين بعد أن تم تهجيرنا من أرضنا قسريًا، لدى وصولنا المدينة قامت الشرطة العسكرية التابعة للجيش الحر بوضعنا بأحد البيوت، لنتفاجأ بعدها بقليل بقدوم صاحبة المنزل، والتي كانت غاضبة للغاية، بسبب إقامتنا في منزلها دون إذنها، فقدمنا اعتذارنا منها وخرجنا من البيت على الفور”، يوضح أبو الخير، أحد مهجري الغوطة الشرقية في عفرين.

ويكمل “واجهنا المشكلة نفسها مرة أخرى في منزل آخر، لنخرج من المنزل بعد أن مكثنا به قرابة شهرين، توجهنا لمنزل آخر، ولكن في هذه المرة استطعنا التحدث مع صاحبة المنزل، وهي امرأة كبيرة بالعمر، أخبرتنا بأنه بإمكاننا المكوث في المنزل، والذي تعود ملكيته لابنتها المقيمة في حلب، على أن نقوم بتسليمها البيت لاحقا، لحظة خروجنا منه”.

فيما يشرح أبو عمر، وهو أحد النازحين من الغوطة الشرقية أيضًا، بأن البعض حاول جاهدًا إثارة الفتنة بين أهالي عفرين والمهجرين، عن طريق بث الشائعات، وتداول بعض المنشورات العنصرية الافتراضية بحق المهجرين عامة، وأبناء الغوطة الشرقية بشكل خاص، موضحًا أنه “من الطبيعي أن تخاف وتأخذ حذرك عندما تتلقى تهديدات تطالك أو تطال عائلتك”.

ويردف أبو عمر أن “هذه المنشورات العنصرية ربما يقف خلفها طرف ثالث، مثل النظام أو بعض المستفيدين، اختبرنا هذا الشيء وعشناه سابقًا أيام الغوطة”، ويتفق أبو سعيد، وهو من سكان الغوطة سابقًا، مع أبو عمر، حول هذه النقطة: “المنشورات عبارة عن تحريض، مثلما كان النظام يفعل تمامًا في الغوطة، لو كان ليحدث شيء لكان حدث من داخل عفرين، وليس من خارجها”.

بينما يشرح أبو عدنان، وهو من سكان عفرين، موضحا بعض “التجاوزات المرتكبة” التي تثير حنق الأهالي: “بعض المهجرين يرفضون الخروج من المنازل التي قطنوا بها، متحججين بأن هذا البيت أو ذاك يعود لأحد مقاتلي حزب الاتحاد الديمقراطي، وأنهم عثروا على أسلحة بداخله، بالرغم من عدم صحة هذا الكلام”.

ويضيف أن “المشكلة على أرض الواقع تكمن بعدم وجود شرطة مدنية، فيلجؤون للفصائل، والتي غالبًا ما تتجاهل هذه المواضيع، دون أن تحرك ساكنًا”.

وقالت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في حزيران الماضي إن جماعات مسلحة تدعمها تركيا في “الجيش السوري الحر” استولت على ممتلكات المدنيين الأكراد ونهبتها ودمرتها في منطقة عفرين. كما أسكنت الجماعات المسلحة المتحالفة مع تركيا مقاتلين وعائلاتهم في منازل السكان، ودمرت الممتلكات المدنية ونهبتها دون تعويض أصحابها.

المساعدات الاجتماعية والعيش المشترك

“بالنسبة لموضوع المساعدات الإنسانية في عفرين، فاعتقد بأنها توزع للجميع دون أي تفرقة، سواء أكانوا من المهجرين أو من الأهالي”، يذكر أبو سعيد، ويؤكد أبو الخير ذلك، مشيرًا إلى أن جميع القاطنين في عفرين، يتلقون مساعدات اجتماعية بالتساوي: “لا يوجد أي تحيز، كلٌ يتلقى المساعدات بحسب المركز المخصص له”.

أضحت مسألة التعايش بين المهجرين والأهالي أمرًا واقعًا، كونهم خاضوا التجربة ذاتها، كما يصف أبو الخير، أحد مهجري الغوطة الشرقية، مشيرا بأن هناك “وحدة حال تجمع بيننا”، فيما يعلق أبو عدنان، أحد أهالي عفرين، “المهجرّون مثلنا مثلهم، لذلك يجب على الوجهاء من الطرفين أن يجتمعوا سوية، لخلق المزيد من فرص التعاون و سبل التعايش فيما بينهم”.

ويختم: “طبعا سيختلط أطفالنا معًا ويذهبون للمدارس ويتشاركون اللعب سوية، كلنا سوريين وهذه الأرض أرضنا جميعًا”.

نبذة عن الكاتب

Loading Facebook Comments ...