حدث في حديقة نوروز بعفرين

كلّما أنوي السفر إلى مدينة عفرين بريف حلب الشمالي، أحضر نفسي مسبقًا للكثير من المشاكل التي قد تواجهني، من التأكد من إذن الدخول من مركز عفرين الإعلامي إلى دخول المدينة المحاطة من الجهات الأربعة بحواجز مدعومة بدبابات تركية والعديد من المقاتلين الأتراك والسوريين ممن يقاتلون في صفوف الفصائل المنضوية تحت غرفة عملية غصن الزيتون، وجود المقاتلين الأتراك دفعني لترجمة إذن الدخول إلى اللغة التركية لاختصار الوقت بدلًا من البحث عمن يتقن اللغة التركية ليترجمها للمقاتلين الأتراك.

وما إن أدخل المدينة من بوابتها الشرقية من طرف مدينة أعزاز حتى أُفعّل بطاقة الإنترنت التركية التي تُخدّم مدينة عفرين، وأباشر البحث عن عناوين بعض العوائل والمنازل التي حدثني أصحابها سابقًا للتأكد ممن يقطنها ومتى سيخرج منها، أو تصوير المنزل أو أحد الأقارب أو البحث في مكان محدد من المنزل على بعض الأوراق المهمة.

بعض الفصائل قد تتجاوب معي وتسمح لي بالتأكد وتطالبني بالتحدث مع صاحب المنزل وإرسال أحد الموكلين عنه في حال كان خارج البلد، أو أن يحضر هو شخصيًا ويوقع وصل استلام المنزل بعد الـتأكد من هويته، والبعض لا يتجاوب مع، ويخبرني العناصر من الحرس أن القائد غير موجود أو أن صاحب المنزل مقاتل مع وحدات حماية الشعب الكردية بشهادة الجيران أو أنهم شاهدوا صورة لعبد الله أوجلان داخل المنزل!

اضطر أحيانًا للتحدث مع القيادات العليا في “الجيش الوطني” المدعوم من قبل تركيا نتيجة سوء خلق مقاتليهم وعدم تجاوبهم معي وتذكير القادة ببياناتهم التي تحذر المقاتلين من حمل السلاح داخل مدينة عفرين، أو أطالب بجلب سيارة من الشرطة العسكرية بعفرين لحل المشكلة وإعادة المنزل لصاحبه بعد إحضاره أو موكله للأوراق المطلوبة.

وجودي كمصور خلال معركة عفرين سهّل لي الكثير من العمل المدني فيما بعد، فبعض عناصر الفصائل في قرى عفرين يتطاولون على المدنيين ويهددونهم،  ويسألني بعضهم عن هويتي ومن أنا وبأي حق أطالب بمنزل قد تعود ملكيته لأحد مقاتلي وحدات الحماية، أكتفي حينها بإظهار صور لي داخل بلبلة أو شيخ حديد في أول أيام دخول القوات التركية وفصائل المعارضة عليها ليثق بي ويزيل عني تهمة أنني عميل للحزب وفي حالات أخرى يسألني أحدهم: شو ماله لسان يحكي لحتى جايبك وجاي، قاصدًا مدنيًا من عفرين.

لأرد على السائل: “ما بيحكي عربي ومو مضطر.. وأنا عم احكي عربي عنه، وشغلة تانية دورك إن كنت من الثوار ودورنا هو نخلي اللي خايف يحكي.. يحكي”.

بعض القصص تظل عالقة ولا نجد لها حلًّا، وبعضها الأخر نعثر على حل لها عن طريق التواصل من خلال تطبيق WhatsApp، يستهزئ أحد أبناء عفرين بسبب كثرة الفصائلية الموجودة في مركز وقرى المدينة واختلاف التعامل بين فصيل وآخر: “كأنو عفرين راحت ع الجيش.. صار فرز.. ميدان اكبس أنت روح فيلق … بلبلة أنت سلطان مراد … وأنت شو عامل مع ربك لحتى باعتلك هدول!”

بعد يوم من الصد والرد، أذهب إلى المقعد الذي أحببته وبت أشتاق إليه بحديقة نيروز بالمدينة، حديقة صغيرة ومستطيلة الشكل فيها منزل للأرانب ومقاعد خشبية ملونة باللون الأزرق وعبارات باللغتين الكردية والعربية تحث المواطنين على حماية الحديقة، على أحد جدران الحديقة كتب ناشطون من عفرين عبارات تناهض وحدات الحماية وحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي: “لا للتحزب.. أنا كردي ضد الحزب”، عبارات مطموسة بطريقة غبية مثل أفعال الشبيحة في حلب عندما كان الثوار يكتبون “يسقط الأسد”، ويمسحون كلمة يسقط ويكتبون كلمة يعيش لتقرأ باللاشعور كلمة يسقط.

أجلس على المقعد، أراجع كرت الكاميرا وأتأكد من دقة الصور التي التقطتها، يقترب مني طفلان بيد أحدهم ورود حمراء كان قد اقتطفها من أزهار الحديقة، يسألني أحدهم بعد أن طلب كل منهما من الآخر أن يبدأ بالكلام: “عمو بشقد الصورة؟”.

طلبت منهم الجلوس بعد الإجابة عن سؤالهم أن التقاط الصور بالمجان، أختبر قراءتهم للتأكد من دراستهم، وأقارن سرعة قراءتهم بعمرهم وهذه عادة تلازمني مع كل الأطفال الذين أتعرف عليهم بالمخيمات أو بقرى شمال سوريا، حظهم كان سطرًا من رواية “أصابع لوليتا” لواسيني الأعرج.

قراءتهم سليمة، الأول من مدينة الشحيل في ريف دير الزور والثاني من مدينة عفرين نفسها، الطفل الأول اسمه حامد لا يعرف شيئَا عن الشحيل، فقد كان عمره 5 سنوات عندما تم تهجير والده المقاتل في صفوف إحدى فصائل الجيش الحر بعد المعارك التي دارت بين تنظيم داعش وفصائل الجيش الحر بمحافظة دير الزور، واليوم يسكن هو وعائلته بمدينة عفرين، والطفل الثاني اسمه فادي من مدينة عفرين، قال لي إنه يزور عفرين للمرة الأولى، والده مقاتل كردي من إحدى الفصائل المناهضة لوحدات الحماية الكردية، وبعد معارك دارت بين الوحدات من جهة وفصائل كردية مع الجيش الحر من جهة أخرى عام 2013 سافر والده إلى مدينة مرسين التركية وعاد قبل بدء معركة غصن الزيتون.

كلا الطفلين يسكنان بمنازل لـ”الحزب” بحسب توصيفهما، بالمقابل يسكن طفل مع عائلة أخرى بمدينة الشحيل التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية- قسد، والتي كانت قد أصدرت قرارًا بمصادرة أملاك كل من يقاتل مع “الاحتلال التركي” في ريف حلب بمعركة درع الفرات وغصن الزيتون، وتسمح لمقاتلي جيش النظام السوري بالعودة إلى منازلهم ولا تسمح لمقاتلي الجيش الحر بالعودة، وأصدرت قسد قرارًا آخر بتحذير كل من له ابن يعمل كمقاتل مع فصائل الجيش الحر إما بالعودة إلى منزله وتسليم نفسه أو مصادرة أملاكه.

يسكن طفل ابن مقاتل لقوات قسد بمنزل تعود ملكيته لوالد طفل يقاتل مع الجيش الحر وكما يسكن طفل والده مقاتل مع الجيش الحر بمنزل طفل اخر والده مقاتل مع قوات قسد!

التقطت صورًا لكلا الطفلين بناء على طلبهما، غادراني وذهبا، بقيت جالسًا على المقعد أفكر بهذه الحالة السورية المعقدة مع سلسلة التهجير وتجريم أطفال لا ذنب لهم بأفعال أبائهم، فلا هذا اختار أن يسكن بمنزل هذا الطفل، ولا الآخر اختار أن يستخدم ألعاب طفل لا يعرفه أو أن يلعب بحديقته.

لا أجد إجابة على تساؤلاتي مع نفسي، أترك الحديقة وأعود إلى منزل في مدينة الباب.

نبذة عن الكاتب

خليفة الخضر

مواطن صحفي مقيم في الشمال السوري

Loading Facebook Comments ...