ثورة في طرطوس

الزمان : بدايات شهر حزيران 2018، الساعة التاسعة والنصف ليلًا

المكان: طرطوس ، وسط المدينة.

الحدث: أنباء عن مظاهرات لعلويي المدينة، رفضًا لسوق أبنائهم إلى الجبهات.

تضج وسائل الإعلام المعارضة بهذا النبأ، ويضج في رأسي معها صوت صديقي الذي اتصل بي في الثامن من الشهر الثامن من عام 2015، أتاني صوته لاهثًا ومرتجفًا، قال لي باقتضاب، لقد فعلوها!!

لم أفهم بالضبط عمّا يتحدث، طلب بنبرة آمرة ألا أخوض بأي حديث على الهاتف، وأن ألحق به على الفور إلى دورا الزراعة، حيث تقطن غالبية علوية ميسورة الحال في اللاذقية.

 بدون تفكير وجدت نفسي أستقل سيارة أجرة مطالبة السائق بالتوجه للموقع المذكور، تهربت من نظراته المشككة عبر المرآة، يبدو أنه كان يعلم ما يحصل هناك، وكعنصر أمن محتمل، بدأ يخبرني بأن الطرقات مقطوعة، ويسرد لي النصائح بعدم الذهاب إن لم يكن الأمر ضروريًا، ونظرا لكثرة تعاملنا مع هذه النماذج، واتخاذنا احتياطات أمنية اكثر من اللازم خلال سنوات الثورة، التزمت الصمت ولا شيء غيره.

بدأنا نقترب رويدًا رويدًا من حي الزراعة، دخلنا في زحام خانق تحاول السيارات جاهدة الفرار منه، “ما قلتليك الطريق مقطوع يا آنسي، بالله لو بألف ورقة أبقطع هالمشوار”، هذا ما تمتم به السائق بعد أن سئم الانتظار وسط الزحام، قررت النزول في منتصف الطريق والوصول لوجهتي سيرًا على الأقدام، حتى وإن كانت المسافة ما زالت بعيدة، لكن يبقى خيارًا أفضل من البقاء لسماع تذمره.

لن أنسى هدير الصوت الذي سمعته وقتها، صوت اشتاقته اللاذقية التي عرفت مثله في شهور الثورة الأولى، حناجر تصدح، هتافات تزلزل، جموع غفيرة تتوافد، نعم، هي ذاتها، صحيح أنها ليست في الأحياء التي حملت على عاتقها دفع كلفة المظاهرات المطالبة بإسقاط النظام، بما في ذلك قصف بوارج النظام لحي الرمل الجنوبي الفقير، بعد أن تجرأ وقال “لا” بوجه من أفقره، لعلها الصدفة أن تلك الأحياء وحدها من شهدت أكبر مجزرة في المدينة بعد اعتصام سلمي مطلق، لم يدم سوى ساعات.

 دعونا لا نخوض في هذا الحديث، فلدينا الآن ثورة، دماء جديدة تضخ في عروقنا بعد أن سفك النظام ما سفك منها، دون أدنى فرصة لمحاسبته على ما فعل، شخصيًا، لم أهتم وقتها من الثائر، رغم أن صوتًا في داخلي يقول لي: هل هذا معقول؟؟ هل جاءتهم صحوة الضمير؟؟ لم لا، فالأساطير تقول لك دائمًا أن الحق يعلو ولا يُعلى عليه، وأن الصحيح لا بد أن يسود مهما طال الزمان عليه أو قصر.

 أسمعهم جيدًا، بدأ الصوت يتوضح كلما اقتربت خطواتي منهم، الهدير نفسه الذي يجعل الأدرينالين يسري في عروقك، صوت الهتاف الجماعي فيه سحر خاص لا يقاوم، حتى لو كان في الملعب البلدي لتشجيع فريق محلي متواضع الإمكانات، دقائق ووجدت نفسي وسطهم، لم يمنعني الأمن المحيط بالجموع من الدخول، يا للهول، ألهذه الدرجة يكون الانقلاب سهلًا من العلويين على نظام الحكم؟؟ طيب لم لا، هناك حسابات مختلفة الآن، هذا ما أقنعت نفسي به، وعلى وجه السرعة، راجعت في ذهني هتافات الثورة، كي أبدا بسردها جهرًا في اللحظة المناسبة.

 “وين خبيتوه، وين خبيتوه”، تلك كانت أولى جملة سمعتها، بدون تفكير رددتها معهم، وانا أحضر نفسي للفرار من رصاص الأمن الحي الذي سيضرب بعد قليل، لكن لحظة، ما هذا؟؟

صور بشار الأسد بدأت ترتفع في الوسط، ، بدؤوا يرددون: “بالروح بالدم نفديك يا بشار”، ماذا تفعلون أيها الأغبياء، لا ليس هكذا، نظرت حولي، وجدت الجميع  يردد ذات الهتاف، وهنا كانت الصدمة، شعور غربة بدأ يتسلل داخلي، ماذا أفعل هنا وأي ورطة أقحمني بها هذا الصديق الغبي، تذكرت أنني لم أتصل به عند وصولي كما طلب، نظرت لهاتفي وجدت فيه أكثر من عشر مكالمات فائتة منه، لم أسمعها لشدة انفعالي بالحدث، “أنا عند الزاوية اليمنى، تعالي فورًا نحن هناك”، هذا ما أعلمتني به رسالة أرسلها منذ ربع ساعة تقريبًا.

وجدته مع أربع شبان، الخيبة تعلو وجوههم، عاجلني أحدهم بالقول، ” فكرناكي رح تهتفيلو”، قاصدًا بشار الأسد،  تجاهلت نكتته السمجة، ووقفت أرصد المشهد من بعيد، متظاهرون آمنون، لا مطاردات، لا رصاص أو قنابل مسيلة للدموع، لم نر دماء وأشخاصًا يهرعون لإسعاف مصاب، “إنه شيء حضاري”، هذا ما كان يتهامس به متفرجون قربنا، يبدو من لهجتهم أنهم من أبناء الحي، في محاولة منهم لإقناع أنفسهم أنهم أفضل من بضعة همج خربوا ممتلكات الدولة عامدين متعمدين، وأن المظاهرات هكذا يجب أن تكون، ممهورة بصور بشار الأسد ومسبحة بحمده لتمر بسلام، لم يكن لديهم سوى مطلب واحد، محاسبة سليمان هلال الأسد لقتله ضابطًا علويًا من بسنادا تجاوزه عند إشارة المرور، نعم هذه هي الحادثة التي تجمهر هؤلاء لأجلها.

 بعض الواقفين للفرجة كانوا غير موافقين على ما يجري، هم من أبناء جبلة، هذا ما عرفته، الأقسى والأكثر تطرفًا في تأييد النظام، لم يخربوا على أقرانهم ما يفعلونه، لكنهم لم يستجيبوا لهتاف”: ليش خايفين الله معنا”، واكتفوا بالفرجة مثلنا عن بعد. حتى هتافاتنا سرقوها ونحن نتفرج، غير قادرين حتى على المطالبة بحقوق ملكيتنا لها، أردت الانسحاب لكن شيئًا ما جعلني أبقى حتى النهاية، علّ معجزة تحصل، بقيت واقفة بمكاني ساعتين ونصف الساعة، ضابط أمن أمر الجميع بالذهاب اليوم والعودة في الغد لإتمام ما يقومون به، ثوان وكانت الساحة فارغة، وكأن شيئًا لم يكن.

لم يعودوا في اليوم التالي، ولم يحاسب بشار الأسد ابن عمه القاتل، لعلهم أجلوا عودتهم ثلاث سنوات، ليطلقوا ثورتهم من طرطوس، التي أكدت قنوات معارضة أن فيها بدايات تمرد على بشار الأسد، وأصدروا بيانًا يطالبونه فيه بسوق أبناء المسؤولين للقتال في معركة درعا المرتقبة، وترك أبنائهم يعيشون حياتهم بعيدًا عن معارك لا طائل منها، لن أقول أنني تحمست، لكن فضولًا كبيرًا لمعرفة ما يجري جعلني أتواصل مع صديق لي هناك، لا يحب الثورة لكنه لا يكذب أو يروج إشاعات، نعم بعضهم لا يكذب ويعطيك الحقيقة، لا تستغرب هذا، تواصلت معه علني أجد منه جوابًا شافيًا، يعطيني بارقة بتغيير قادم يحرك أجواء تنقلب ضدنا.

 صدّر لي صديقي ضحتكه الساخرة، نافيًا ما حصل جملة وتفصيلًا، أخبرته أن وسائل إعلام أكدت أن هذا ما جرى، وأنهم ثاروا فعلًا على النظام، فأجاب: خذي مني كلام ثقة يا صديقتي ولا تتصلي بي مجددًا للسؤال عن هذا الموضوع، العلويون فعلًا لم يعودوا راغبين بالذهاب للقتال على الجبهات، لكنهم لن يثوروا على بشار الأسد أبدًا.

نبذة عن الكاتب

بتول العلي

صحافية سورية

Loading Facebook Comments ...