سوريا والانتقال الدستوري المُستحيل

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

 

آخر مساعي “العالم” الرتيبة في الإيحاء للسورين، ولنفسه، بأنه يفعل شيئاً ما لأجلهم، ولم يتركهم وحدهم “بين أنياب الذئب”، تظهر في جهود المبعوث الدولي ستيفان ديمستورا الأخيرة لتشكيل هيئة دستورية عُليا، مُكونة من تركيبة تضم ممثلين عن المُعارضة النِظام السوري وشخصيات وهيئات مُستقلة.

تقول الدعاية السياسية الرديفة لهذا المجهود الحديث، المبثوثة أساساً من قِبل روسيا والأطراف المُرتبطة بها، التي تُعتبر الراعي الفعلي لهذا المجُهود “الأممي”، تقول أن القوى الإقليمية والدولية فشلت في صك أية حلولٍ سياسية للمسألة السورية، التي كانت تُظهر طوال جميع جولات المفاوضات وكأنها مُستحيل التوصل لأي حل، ولو بالحد الأدنى؛ لذا فأن فضاء دستورياً مُراعياُ لكافة الحِسابات والحساسيات السورية قد يكون مُناسباً لإيقاف دورة العُنف السوري، وأن يخلق السياق الطبيعي للتحول السياسي السوري المأمول، وإن بوتيرة بطيئة للغاية.

فيما لو وضعنا جانباً سوء نية رُعاة هذا الجهد، لمواقفهم وأداورهم وتطلعاتهم المُستقبلية من المسألة السورية، وحتى لو اعتبرنا بأن نتيجة جولات التفاوض بشأن هذا الدستور السوري المُستقبلي ستكون مثالية، وسيتوصل المُجتمعون إلى صيغة دستورية متوافق عليها، فأن كامل المؤشرات تدل على أن ذلك الأمر لن يعني أي شيء في المحصلة، وأن النِظام السياسي ومسار الأحداث السورية ستواصل سياقها الحالي، وأن هذا المجهود لن يدخل إلا في خدمة النِظام السوري ورعاته الإقليميين والدوليين، لشرعنة حُكمه وتجاوز كُل إحراج يتعلق بالحل السياسي والمحاسبة والمحاكمة.

ثمة عوامل موضعية تدفع لاستحالة حدوث مثل هذا “التحول الدستوري” المأمول، وهي عوامل منبثقة من بُنية وهوية النِظام السياسي السوري، تعززت بشكلٍ متراكم طوال السنوات السبعة الاخيرة، وسوف تفيض عبر مسار الرعاية الروسية لمثل هذه العملية “الدستورية”.

فالنِظام السياسي السوري مؤسس جوهرياً على عدم منح الدساتير أية قيمة ذا بال. فمُنذ النقاش/الصراع السياسي حول “الدستور الدائم” عام 1973، والذي أدى إلى فرز المُعارضة السورية “التقليدية”، حينما رفض جناح جمال الأتاسي من حزب الاتحاد الاشتراكي “الناصري” مضامين ذلك الدستور، فتم استبعاد وتهميش وتهشيم الأتاسي وحزبه من الحياة العامة، وكأن شيئاً لم يكن. مُنذ ذلك الوقت والنِظام السوري يعتبر أن الدستور هو مُجرد أحد الملاحق البروتوكولية الرمزية لنِظامه السياسي. فقد بقي النِظام السوري لقرابة نصف قرن لا يُطبق أياً من المواد الدستورية التي قد تمس حُكمه وهيمنته المُطلقة على البِلاد.

فقُدرة أي دستور لأن يجد لنفسه سياقاُ تطبيقياً مُريحاً وفعالاً لا تتوقف على مضامين هذا الدستور، بل على بُنية وطبيعة المؤسسات في الدولة التي من المُفترض أن يُطبق فيها هذا الدستور. مدى شرعيتها وتمثيلها للقواعد الاجتماعية، تاريخها وطبيعة النُخب السياسية والقانونية والاقتصادية الفاعلة فيها، سُلطتها الرمزية واستقلالها عن بعضها وعن أجهزة الأمن والجيش ومركز القوة الاقتصادية والتيارات السياسية، المحلية والإقليمية. فالدستور وإمكانية تطبيقه وحيويته مسألة مرتبطة بالعالم الموضوعي للدولة في المُحصلة، وليس وصفة دوائية مُجردة، يُمكن تطبيقها في أية بيئة كانت.

كُل ذلك مُهترأ تماماً في سوريا، الخاضعة بكُل اشيائها لقبضة نِظام ونُخبة حُكم مركزية، متضامنة فيما بنيها ومُهيمنة على كُل تفاصيل الحياة العامة، متسلحة بانتصار ماحق على المُجتمع السوري، وبدعمٍ إقليمي ودولي واضح وشبه مُطلق. تفاصيلٌ كثيرة ومتكاملة عن أحوال هذا الواقع السوري، تؤدي في المحصلة الموضوعية بأن النِظام السوري الراهن سيتصرف مع أي دستور جديد، وإن كان ناتجاً عن توافقٍ إقليمي ودولي، بالضبط كما تصرف مع دستور عام 1973، الذي قيل أيضاً أنه نتيجة لتوافق القوى السياسية وقتئذ.

ثمة عاملٌ إضافي بالغ الحيوية في منع أي دستور كان لأن يُطبق في الحالة السورية. فأي دستور ذو قيمة يجب أن يؤدي موضوعياً لأن تنفح الحياة العامة في البِلاد، وبالذات فيما خص الحريات السياسية، وبالتالي أن يُفتح السؤال الأكثر موضوعية وأخلاقية في سوريا، المتعلق بالطرف المُتسبب بالفظاعة السورية، عن مسؤوليته ونوعية سُلطته ومُسائلته، ورُبما مُحاكته. وهو بالضبط الأمر الذي فعل النِظام السوري كُل شيء لأن يتخلص منه، خاض حرباً همجية على المُجتمع السوري، قبل بتقسيم البِلاد وخضوعه للقوى الإقليمية والدولية

 وهو مُستعد لفعل أي شيء كان لأن يُنجي نفسه من مصيرٍ كهذا، وهو سيفعل أيضاً أشياء كثيرة أخرى لتنجب مواجهة كتلك، وإن بحروب أكثر كلفة وجرائم أكثر دموية.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...