تيكي- تاكا: لأن بإمكان الحياة أن تكون رائعة

للـ“تيكي-تاكا“، أسلوب اللعب المُميّز لنادي برشلونة، وللمنتخب الإسباني في سنواته الذهبية ما بين 2008-2012، حين حاز على بطولتي كأس أوروبا متتاليتين، وبطولة العالم وسطهما في جنوب أفريقيا، مُحبون كثر، بينهم كاتب هذه السطور، إسبانيّ المولد والهوية -مناصفةَ من السوريّة-، وبرشلونيّ الهوى؛ وله أيضاً كارهون كثر. لكن هذه السطور ليست نقاشًا عن دوامات التمريرات القصيرة اللامتناهية بين لاعبي خطّ الوسط بانتظار فتحةٍ ناتجة عن دُوار خط دفاع الخصم، يخترقها مُهاجم أو لاعب وسط متقدم باتجاه المرمى. بل إنها تذكار وتحية لواضع هذه التسمية، ولصانع مخيال ونكات ولغة جيل كامل، جيلي، من متابعي الرياضة في اسبانيا، كرة السلة أولًا، وبعدها كرة القدم، الصحفي الراحل أندريس مونتِس.

تكفي نظرة إلى صورة لمونتِس كي يعرف المرء أنه أمام شخص ذي شخصية غير اعتيادية، ”كراكتر“ يصعب عليه أن يمرّ دون لفت الانتباه. قصير القامة، حليق الرأس، أسمر البشرة بما يُفصح عن كونه نتاج زواج بين إسبانيّ أبيض وكوبيّة سمراء، يزدان عنقه ببابيون ذي ألوان فاقعة، غالباً ”متناسقة“ (إن صح تعبير التناسق مع هذا النمط من الألوان) مع لون إطار نظاراته المستديرة. ولد مونتيس أواسط الخمسينات في مدريد، ودخل عالم التعليق الرياضي على الراديو منذ أوائل الثمانينات في العديد من المحطات الإسبانية. لمونتِس صوت عميق، مجروح بعض الشيء، يشبه أصوات مغنّي البلوز في الجنوب الأميركي، وصاحب ثقافة موسيقية هائلة في الجاز والبلوز والروك تؤهله لأن يكون محطة راديو موسيقية متنقّلة قدر خبرته في الإعلام الرياضي.

بدأت شهرة مونتِس في اسبانيا اعتبارًا من أواسط التسعينات، حينما تولّى التعليق على مباريات دوري كرة السلّة الأميركي NBA في قناة C+ الإسبانية، القناة الوحيدة -آنذاك- غير المفتوحة للعموم والتي تحتاج لاشتراك مدفوع لمتابعة برامجها الخاصة وتغطياتها الرياضية. كانت شهرته التسعينات نسبية، مرتبطة بمتابعي كرة السلّة، حيث شكّل ثنائيًا بديعًا مع الصحفي الإسباني- الأميركي أنتوني دايميل، فالأخير يُقدّم التحليل الرصين والإحصائيات والتوقعات بما يتوافق مع شخصيته الجادّة والجافّة، فيما يتولى مونِتس السرد الخفيف والتعليق والفكاهة والانفعال واختراع الألقاب الظريفة للاعبين.

في تلك السنوات اشتُهرت عبارات إعجابه بشاكيل أونيل، وصراخه ”خطوط جوردان الجوية“ مع كل تحليق لمايكل جوردان مع شيكاغو بولز، و“أفيهات“ من طراز ”بيلما، افتحي لي الباب!“ (المأخوذة من مسلسل ”ذا فلينستونز“ الكرتوني) للسخرية من الرميات الفاشلة، أو ”لقد دخل حتى المطبخ“ للإعجاب بوصول لاعب ما حتى تحت السلّة، أو ”أين المفاتيح يا دايميل؟“ للتفاعل مع لحظة شربكة الكرة بين عدّة أيادي، أو ازدحام المنطقة تحت السلّة، أو ”هذه ليست تمريرة، بل هي بوحٌ بالعشق“. عدا الأفيهات، كان يخترع أصواتًا عجائبية منفعلة أمام مُراوغات بارعة أو ثلاثيات مستحيلة، أو، ببساطة، يرتجل أحاديثاً شديدة السريالية، مع نفسه أو مع دايميل، قد لا يكون لها أدنى علاقة بالمباراة.

أواسط عقد الألفينات، خرج مونتِس من الشهرة المحصورة في أوساط مُتابعي كرة السلة الأميركية نحو جماهيرية كرة القدم مع توقيعه عقدًا مع القناة السادسة، التي كانت قد حصلت على حقوق نقل مونديال 2006 في ألمانيا. حينها، استبدل مونتِس أنتوني دايميل بخوليو ساليناس، لاعب برشلونة ومنتخب اسبانيا سابقًا، والصحفي الرياضي لاحقًا، كزميل تعليق يتوازع معه الأدوار في تغطية ونقل مباريات المونديال. كان على مونتِس في هذه المرحلة أن يُعيد إنتاج نفسه، إذ أن معرفته بكرة القدم أضعف بكثير من خبرته العميقة بكرة السلة الأميركية، وكان ذلك يعني أن يرفع من درجة السخرية واختراع الأفيهات والألقاب والارتجال السريالي. من تلك الفترة نجد اختراع لقب ”همفري بوغارت“ لشافي هيرنانديث، أو ”العذب“ لإينيستا، ”القفاز“ لديفيد بيكهام، ”المهندس“ لزين الدين زيدان“. كما أنتج أفيهات جديدة مثل ”فوتبول بالفطاطا“، ”ياللبطيخة“، ”هذا اللاعب لن يُحرز هدفاً حتى لو كان المرمى بحجم قوس قزح، كما اخترع كلمة (jugón)، وهي تحوير لكلمة ”لاعب“ (jugador) للتعبير عن إعجابه بلاعب ما، وصارت جزءاً من اللغة المحكية. واخترع الـ“تيكي-تاكا“ في ذلك المونديال، ثم كرّسه في تغطياته للدوري الإسباني خلال الأعوام الثلاثة التالية. واستمر بارتجال الحوارات السريالية لتعبئة الأجزاء المملة من المباريات، والتي أصبح بعضها جزءًا جوهريًا من النكت الدارجة.

لم يعش مونِتس بما يكفي لكي يشهد تحوّل أحد اختراعاته، الـ“تيكي-تاكا“، إلى عبارة عالمية تستقطب حولها آراء عشاق كرة القدم، إذ وُجد ميتًا في شقته في خريف عام 2009. كان قد أنهى علاقته المهنية مع القناة السادسة قبل ذلك بأسابيع قليلة، وتحدث مقربون منه أنه، على عكس الصورة المرحة والانفجارية والضاحكة التي بنت علاقة ملايين من الاسبان بكرة السلة ثم كرة القدم، كان مونتِس في الحقيقة ضحية اكتئاب شرس سيطر على السنوات الأخيرة، ثم خنق أشهرها النهائية بشكل قاتل.

كانت لذلك الكئيب المرح عادة بدء وإنهاء أي تغطية رياضية يقوم بها بعبارة ”تذكروا أن الحياة يمكن أن تكون رائعة“، في روحية تبدو وكأنها أغنية جاز مشابهة لرائعة لويس آمسترونغ.  لم تفتح له بيلما الباب، كما قضى سنواتٍ يُنادي، لكن ملايين من الإسبان ما زالوا يتداولون تعليقاته وأفيهاته الشهيرة مع كلّ مباراة يحضرونها حتى اليوم.

نبذة عن الكاتب

ياسين سويحة

مدوّن وكاتب صحفي باللغتين العربيّة والإسبانية. يغرّد على yswehat@

Loading Facebook Comments ...