“عودة قسوس” لا “الأردن أولاً”

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

يبدو أن “التأزم” صار شيئاً دورياً وعادياً وتكوينياً من النِظام السياسي الأردني، فتكراره الدائم بوتيرة سنوية تقريباً، وتنوع المُسببات الداخلية المُحرضة التي تؤدي لحدوثه، دلالة على أن التأزم بات عاملاً من بُنية هذا النِظام وواحد من خصائصه، وأن مسألته تتجاوز أية ظاهرة عارضة تخضع لها جميع الأنظمة السياسية.

كملكية شرق أوسطية تقليدية، يبدو أن النِظام السياسي قدر راكم طوال قرنٍ من حُكمه لهذا البلد الصغير فاعلان متباينان: من جهة ثمة شرعية واضحة ومتراكمة لهذا النِظام السياسي، متأتية من تاريخ العائلة الهاشمية الحاكمة، التي تنتسب لآل البيت، وقادت “الثورة العربية الكُبرى” أثناء الحرب العالمية الأولى، الحدث الذي كان له الدور الأبرز لاختلاق الأردن ككيان سياسي. فوق ذلك، فأن هذه العائلة، والنِظام السياسي الرديف لها، حفظت الأردن من التحولات الجارفة في الشرق الأوسط، ووفرت مستويات من الحريات العامة والمدنية، واشكال من التنمية المعقولة للمجتمع الأردني، وحفظت السلام الاجتماعي بين مُختلف الحساسيات الداخلية الأردنية، بالذات بين المُنحدرين من شرق النهر ونظرائهم الذين من غرب الأردن.

على أن نفس النِظام السياسي قد راكم طوال هذه السنوات أيضاً نُخبة من السياسيين والاقتصاديين المهيمنين على تفاصيل الحياة العامة والثروة الرمزية والمادية للأردن بشكل احتكاري، والمرتبطين بالضرورة بالنِظام السياسي وحساباته المُعقدة. يملك المُجتمع الأردني اشكالاً من الحساسية تجاه هذه النُخبة، فيراها مركزية ومترابطة ومستولية على المتن العام، لا يُمكن النفاذ إليها إلا بصعوبة جمة، حيث طبيعتها العائلية والنُخبوية الصلبة، المتأتية من تراكم أرث أكثر من جيل، لا تسمح للقواعد الاجتماعية الأضعف مادياً وتعليماً ورمزياً من النفاذ إليها ومشاركتها في فعلها النخبوي والسُلطوي والإنتاجي.

طبيعة هذه النُخبة بالذات، كانت وما تزال المصدر الأهم والأكثر حيوية لخلق لذلك التأزم الدوري في النِظام السياسي. فدائماً ثمة حكومة أردنية تتخذ سياسات محابية ومراعية لمصالح النخبة التي انبثقت عنها، فتبدأ الاحتجاجات الشعبية الرافضة لذلك، فيقوم الملك بتغيير الحكومة، لكن لا يمرُ وقتٌ طويل على عُمر الحكومة الجديدة، حتى تكتشف نفس القواعد الاجتماعية الأردنية بأنها غير مختلفة عن الحكومات السابقة، فتعود للتحرك، وهكذا، حتى يغدو التأزم دورياً.

كانت النُخب الأردنية نفسها قد اختلقت شعار “الأردن أولاً”، ليكون إطاراً وخطاباً عاماً يحاول خلق روابط ما بينها وبين المُجتمع الأردني، روابط روحية ونفسية ووجدانية، لكن أولاً سياسية واقتصادية، توحي بأن الأردنيين يجب أن يحيدوا انفسهم عن “حرائق” الشرق الأوسط، وأن يتكاتفوا لبناء بلدهم، وأن تتكامل طاقات هذه النُخب مع التي للقواعد الاجتماعية، من خِلال لُحمة وطنية عمومية.

ساد هذا المناخ الأردن مُنذ بداية حُكم الملك عبدالله الثانية قبل قُرابة العقدين، لكن بالتقادم اكتشف الأردنيون أدوار ذلك الشعار وسطحيته، بالضبط كما اكتشف السوريون خواء خطابات “التطوير والتحديث” التي ملئت حياتهم مع بداية حُكم بشار الأسد. اكتشف الأردنيون بأن هذا الشعار ليس سوى أداة لزيادة مركزية وترابط هذه النُخبة فحسب، ولا تُغير من هامشيتهم عن المتن العام.

كان الأردن قد شهد شيئاً شبيهاً بذلك تماماً في سنواته التكوينية الأولى. فوقت ذاك كانت النُخب العسكرية الحجازية والسياسية الهاشمية قادمة لتوها من مناطق الجزيرة العربية، وتسعى للتوافق من نُخبة مدينية أخرى، فلسطينية بالأساس، مسيطرة على الحياة الاقتصادية ومؤسسات الإفتاء، وتتطلع لحُكم كامل المُحيط الجُغرافي والتدخل بقضاياه الداخلية، ودائماً على حِساب القواعد الاجتماعية الأردنية.

في ذلك الوقت، كان ثمة قاضٍ أردني يُدعى “عودة قسوس”، كان من أشد المناوئين للنُخب غير الأردنية التي تحاول التحكم بالحياة الداخلية في الأردن ومصائر أبنائه، ويدعوا إلى اتاحة الفرصة للأردنيين، بالذات سُكان شرق النهر، ليشكلوا حكومات وسُلطات بلادهم، وأن تكون السُلطة والموارد والرؤى الخاصة بهذا البلد الوليد أردنية، وأن يُتاح المجال تماماً لأبناء البلدات والأرياف الأردنية ليتقدموا في الحقل العام، وإن كانت طاقاتهم وقُدراتهم متواضعة، فهذا وحده قد يخلق بُنية نِظام سياسي صحي في هذا البلد.

لم يكن القسوس نخبوياً بالمعنى الاجتماعي والسياسي، بالرغم من رُقي وظيفته العامة واتقانه لأكثر من لغة عالمية ومكانة عائلته. فالقسوس كان كاتباً في الصُحف المحلية ومُحرضاً للقواعد الاجتماعية لرفض السياسات المفروضة عليها، الأمر الذي أدى بالقرويين الأردنيين لأن يرفضوا دفع الضرائب العامة في صيف عام 1921، الشيء الذي تراكم وأدى لاندلاع الثورة الأردنية الكُبرى ضد الملك عبد الله الأول بعد عامين فقط من ذلك، الثورة التي أدت لنفي القسوس خارج الأردن.

لكن لم يمض وقت طويل حتى أكتشف ملك الأردن وقتها عبدالله الأول بأن رؤية القسوس ورفاقه بالغة العقلانية والوجدانية، وأنها حين تدعوا لمُشاركة الأردنيين في حُكم لبلادهم، فأنها لا تتقصد اسقاط النِظام الحاكم، بل رُبما العكس تماماً.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...