عندما كنا نخشى تأهل منتخبنا إلى كأس العالم

في منتصف تشرين الثاني عام 1985 كانت المباراة المرتقبة بين المنتخب السوري و”شقيقه” العراقي؛ هي المباراة التي قد تعطي مؤشرًا عن أفضلية كلٍّ منهما للمشاركة في نهائيات كأس العالم في المكسيك، في انتظار مباراة الفصل التي ستُجرى في الطائف السعودية بعد أسبوعين. كان المنتخب العراقي محرومًا من اللعب على أرضه بسبب الحرب العراقية-الإيرانية، وتاليًا كان الحرمان فرصة تمنح أفضلية للمنتخب السوري الذي سيلعب في أرضه وفي أرض محايدة، وإن لم يكن الجمهور السعودي محايدًا تمامًا لأسباب تتعلق بدعم السعودية صدام في تلك الحرب، وبالطبع دعم حافظ الأسد نظام الملالي في الحرب نفسها.

تحت كلام المعلّق السوري عدنان بوظو، ووصفه المباراة بأنها مباراة أشقاء، كانت هناك مباراة من نوع آخر، يمكن القول بأنها مباراة بين حافظ الأسد وصدام حسين. وإذا شئنا التكهن حول استعداداتهما لتلك المباراة فمن المؤكد أن صدام قد أنفق على الفريق العراقي أموالًا أكثر رغم ظروف الحرب، ولا يُستبعد بكل تأكيد أن يكون ابنه عدي قد أنذر اللاعبين بالإعدام في حال خسارتهم أمام فريق حافظ الأسد. أما الأخير فكان من حسن حظه حينها أن سمعته أقل دموية من سمعة صدام، رغم أنه أنهى قبل ثلاث سنوات مجزرة حماة التي أودت بعشرات الآلاف، ولم يكن لابنه باسل غرام خاص بكرة القدم ليفتح أمامها سيلًا من الدعم المالي على النحو الذي نالته رياضته المحببة الفروسية.

إذًا، سيدعوني صديقي إلى بيته لنشاهد الجولة الأولى التي ستُقام في ملعب العباسيين، وسيحضرها لتشجيع الفريق العراقي أولئك العراقيون المنفيّون المقيمون في دمشق. سيقول لي صديقي: ما رأيك في أن نشاهد معًا مباراة الـ….؟ وهذه النقاط بعد ال التعريف يعرف مشجعو كرة القدم السوريون كيف يملؤونها بكلمة من عيار يفوق كلمة “عرصات”. قبل المباراة كنا نتكهن بنتيجتها، وكنا متفقين على أرجحية الفريق العراقي، مع أن تشكيلة الفريق السوري آنذاك كانت توصف بأنها الأفضل، وكان قد مضى زمن طويل على الفوز التاريخي “اليتيم” على إيران بتوقيع عبدالغني طاطيش في تصفيات مونديال 1974.

من جهتي، وبخلاف توقعاتي نفسها، كنت أتمنى أن يفوز الـ… الذين في “فريقنا” على الـ… الذين في الفريق العراقي. بالتعبير السوري السائد آنذاك؛ كنت آمل أن يفجروا مفاجأة بفوزهم. ولهذا التعبير قصة لا بأس باسترجاعها، فمعظم انتصارات الفريق السوري، سواء أكان فريق الرجال أو الشباب أو الناشئين، كان الحديث عنها يتمحور حول تحقيقهم مفاجأة، وهي كانت كذلك حقًا، إذ لم يحدث أن بُني منتخب سوري على أساس تجهيزه بشكل جدي للبطولات، وكانت الفكرة المسبقة أو الاحتمال الأكثر ترجيحًا هو الخسارة والخروج المبكر من البطولات، لذا كان أي انتصار يكسر هذه التوقعات هو بمثابة مفاجأة لا ينتظرها أحد. مع المفاجأة تبدأ أنظار السوريين، ويبدأ الإعلام، بالتركيز على أولئك “الأبطال”، وهنا في هذه المرحلة يأتي دور “الخازوق”، وهذه أيضاً كلمة من الكلمات الأكثر تهذيبًا في عالم التشجيع الرياضي، فالبطولات تتطلب نفَسًا طويلًا من الفرق، مبنيًا على إعداد بدني وتكتيكي جيد لا على أولئك المدرّبين رخيصي الثمن الذين كان يُؤتى بهم من روسيا أو رومانيا، وربما يكون أفضل إنجازاتهم ارتقاؤهم في مراتب الأحزاب الشيوعية وفساد أنظمتها.

مع بدء مباراة العباسيين، حيث ظهرت الرهبة مع مستهل المباراة على “أبطالنا”، كان صديقي قد بدأ التشجيع على طريقته الخاصة. فمثلًا مع أول هجمة عراقية صرخ ربما بمحمد دهمان: شتّت الطابة، ارمها إلى التماس. أما أنا فلم أكن يومًا مع ما يُسمى “أسلوب تشتيت الكرات”، وأظن ألا وجود له في قاموس كرة القدم، وإنما جرى اختراعه من قبل المعلّقين السوريين فقط لتبرير استهلاك الوقت بأسوأ طريقة كروية. لكن لصديقي رأي آخر، فعندما كانت الكرة في حوزة لاعب سوري من خط الوسط كان يصيح به: يا حمار احتفظْ بالطابة، رواغ بها، لا تمررها لأحد حتى يخلّصوك إياها. أغلب الظن أن ذلك اللاعب اصطدم بلاعب عراقي أكثر مهارة، وقرر تمريرها إلى زميل له بعد فوات الأوان، فذهبت الكرة ضعيفة وغير موجهة ليلتقطها لاعب عراقي، وليهتف صديقي بحفاوة: برافو.. برافو.. أثبتَّ أنك جحش أصيل!

لصديقي هذا حسّ من السخرية يجعلني آخذ تعليقاته على محمل المرارة من أداء “رجالنا” بالتعبير العدنان بوظيّ”، وربما يُحسب لعدنان بوظو اجتراح قاموس رياضي سوري خاص، ففي العديد من مناسبات الخسارة كان يشيد بالأداء الرجولي للمنتخب، ومن المرجح أن غياب المدافعات عن قضايا النسوية والجندر آنذاك قد آمّنا له مساحة آمنة للانطلاق على سجيته، ولعلها مناسبة للتنويه بأن أمهات وأخوات لاعبي اليوم يحظين بمكانة أفضل بفضل تنامي الوعي النسوي والجندري. بمرور وقت المباراة كنت أشعر بالإحباط الشديد من أداء “منتخبنا”، وتعليقات صديقي التي سارت على المنوال نفسه كانت قد بدأت تستفزني، ورحت أرى فيها شيئًا من اللامنطق إذ كنت أصلًا قد اعتبرت دعوته لي دعوةً لتشجيع فريقنا لا العكس.

مع انتهاء الشوط الأول أخذ احمرار الحماس على وجه صديقي بالانسحاب، وأظن أن وجهي كان كالحًا وأنا أسأله عن حماسه في شتم اللاعبين السوريين وتشجيعه اللاعبين العراقيين. سيقول صديقي بحبور: هل أنت حمار كي تشجع هؤلاء الـ… على الفوز؟ تخيّل أنهم فازوا، ما الذي سيحدث؟ تخيّل أنهم في المونديال سيقابلون البرازيل أو ألمانيا، تخيّل الفضيحة المذلة لنا بأدائهم التافه. أهم من ذلك كله؛ تخيّل أن التلفزيون سيجلدنا منذ الآن حتى الصيف بالإنجاز المذهل، الإنجاز الذي لم يكن ليحدث لولا رعاية أبوية من حافظ الأسد، تخيّل ذلك الحديث اليومي عن المنتخب لا مع صور اللاعبين وإنما مع صورة حافظ الأسد كأنه هو من نزل إلى أرض الملعب وسجل الأهداف، تخيّل كيف أن لاعبي المونديال سيأتون بقمصان تمثّل أعلام بلدانهم، بينما لا بد أن تكون صورة حافظ الأسد على قمصان الفريق السوري.

للأمانة كانت دعوة صديقي لتخيل كارثة الفوز فيها من تفاصيل أداء إعلام حافظ الأسد ما لم تحتفظ به ذاكرتي حتى اليوم، ومن ضمن ما ذكّرني به أن همّ اللاعبين أنفسهم وإدارييهم سيكون كالعادة هو النزول إلى التسوق فور وصولهم إلى الخارج، بغرض شراء بضائع للمتاجرة بها بما أن البلد كان مغلقًا أمام البضائع الأجنبية وبما أن حقائبهم ستُعفى من التدقيق لدى عودتهم إلى المطار، ورحت أتصور كارثة الفوز التي بدت لي لحظتها أم المصائب، واقتنعت بأنني حمار كما وصفني صديقي في مستهل توبيخه لي.

إلا أن ما نقتنع به للتو قد لا تكون عواطفنا جاهزة لتمثّله فورًا، على سبيل المثال لم أكن مستعدًا للإحساس بأنني حمار رغم عدم تخيّلي هول كارثة الفوز، ولم أكن مستعدًا في الشوط الثاني للتشجيع الحماسي والسلبي على منوال صديقي. طوال الشوط الثاني صمتّ عن التشجيع، أما مشاعري فبقيت مع أقدام محمد دهمان ورضوان الشيخ ونزار محروس ووليد أبو السل، وحتى مع أقدام جورج خوري الذي لا أطيقه وأعلم أية واسطة أتت به إلى المنتخب ولن يشفع له لاحقًا نيله ضربة جزاء سجل منها وليد أبو السل هدف الفوز على الفريق الفرنسي “من الدرجة الرابعة” في دورة المتوسط. المهم، في مباراة العباسيين تلك، أن لاعبي منتخبنا تباروا

وليد أبو السل

في إهدار مشاعري المكبوتة، إما بإهدارها كفرص ضعيفة، أو بتشتيتها خارج الملعب، لتنتهي المباراة بالتعادل السلبي.

بالطبع كل من شاهد مباراة العودة في الطائف أدرك أن الكرة عادلة أغلب الأحيان، وليست مستديرة فقط أو غير عادلة دائمًا بحسب الفلسفة العدنان بوظية، فقد فاز الفريق العراقي بثلاثة أهداف لهدف ونجا لاعبوه من عقوبات عدي بينما نجونا نحن من صورة راعي الرياضة والرياضيين. وكان من العدل أيضاً أن يفوز الفريق السوري ذاته بعد سنة ونصف بكأس دورة المتوسط على فرق الدرجة الثانية أو الثالثة التي مثّلت بلدانها، وأن يُعتبر ذلك إنجازًا تحت رعاية الصورة الضخمة جدًا لحافظ الأسد في الملعب الذي جرت فيه المباراة النهائية، بينما لا يجد عدنان بوظو بين لاعبي فرنسا من يُشار إليه سوى حارس المرمى الذي كان حارساً لنادي ليل، من الدرجة الأولى لا الممتازة إذا صحّ أنه الحارس الأول للنادي. لكن على هذا الصعيد ينبغي عدم تفويت فرصة الإشارة إلى العرس الحقيقي لمعلّقي التلفزيون السوري، وكلمة عرس كروي أيضاً من القاموس إياه، ففي تصفيات مونديال 1998 سيفوز الفريق السوري على جزر المالديف ذهاباً وإياباً، كل مرة منهما بدزينة من الأهداف، وفريق المالديف هذا كان حديث النشأة وكان الفيفا قد أوفد له مدربًا على نفقته، لكن يبقى للذكرى أن دفاع فريق المالديف لم يشتت أية كرة تحت الضغط إلى خارج الملعب، وبقي رغم الخسارة الضخمة مصرًا على تناقل الكرة بطريقة جيدة، بينما لم يتوقف جشع اللاعبين السوريين أمام ذلك الفريق المبتدئ، ولم تساورهم أدنى رأفة كما حصل للاعبي المنتخب الألماني بعد تقدمهم على البرازيل في كأس العالم الفائتة.

بعد اثنين وثلاثين عامًا سأتذكر صديقي الذي كان يتمنى خسارة الفريق السوري، وأنا أتابع ذلك الجدل حول الفريق “السوري” في تصفيات كأس العالم الحالية. أقول لنفسي أنني يومها، من دون أن أمتلك الصياغة الحالية، كنت من جماعة فصل الرياضة عن السياسة. أما صديقي فيحق له بكل قوة، من دون أن ينسحب ذلك على موقفه السياسي، أن ينطقها بصوت عالٍ: ما قلنالكم؟!

نبذة عن الكاتب

عمر قدور

كاتب سوري

Loading Facebook Comments ...