قصة قرية يونانية على الساحل السوري

يا له من بلد مليء بالحكايات! هكذا هتفت حين فاجأني محدّثي بأن قريةً يونانية بحالها تتمدد على شاطئ مدينة طرطوس الساحلية السورية، قرية ما زالت إلى اليوم تتكلم لغة اليونان وتحتفظ بالكثير من عاداتها وأغانيها وأطباقها.

حين زرتها في صيف ذلك العام كانت الحميدية، وهذا هو اسم تلك الضيعة البحرية، شبه خاوية، تتثاءب بكسل على شاطئ معزول، وسوف يلمس زائرها على الفور أن لا أثر للبهجة هنا.

حينذاك كان يسكن القرية حوالى ستة آلاف نسمة، نصفهم من اليونان، والباقي من العرب (بدو وعلويون). لكن لا أثر لتلك الآلاف الآن، فالشوارع فارغة تقريباً، إلا من نساء وأطفال وعجائز. معظم شبانها كانوا خارج بلدتهم، في أشغال بحرية، أو في مقالع الحجارة، وهذان هما المجالان الأثيران لعمل السكان. كان أولاد القرية غالباً ما يتركون دراستهم مبكراً للبحث عن عمل خارج البلاد، وكانت اليونان، أو الجانب اليوناني من قبرص، الوجهة الأثيرة. كانوا يستجيبون لنداء الجذور، حيث أمكنتهم الأولى التي غادرها الأجداد منذ أكثر من مئة عام.

يتحدّر هؤلاء من جزيرة كريت اليونانية، وقد غادروا جزيرتهم على دفعتين بين عامي 1896 و1898، بعدما قرر السلطان عبد الحميد سحب مسلميها وحمايتهم إثر حرب أهلية طاحنة. بنى لهم حوالى مئتي منزل، جنوبي مدينة طرطوس، عهد بها إلى مهندس روسي خطّط لكل عائلة منزلاً بغرفتين وصالون يفضي إلى فسحة سماوية تنتهي إلى مطبخ. وهكذا حملت القرية اسم الحميدية، نسبة إلى السلطان الذي حمل اسمه كثير من مواقع وأسواق.

لكن البيوت الباقية على حالها من تلك الحقبة قليلة، وبالكاد يمكن العثور على جدار أو بقية بئر، عدا عن مسجد القرية الوحيد الذي احتفظ بعمارته كاملة. لكن أهل القرية احتفظوا بملامحهم اليونانية، وإن كانت ملابسهم ويوميات حياتهم باتت مشابهة لسكان القرى المحيطة.

أما اللغة فإن الأولاد كانوا يحتفظون بها، لا يتكلمون غيرها حتى دخولهم المدارس، حينها فقط كانوا يضطرون لتعلّم العربية. حتى أسماؤهم تحوّلت، في بلاد البعث التي لا تطيق الأسماء الأخرى، إلى أسماء عربية، ولو أن الضيعة احتفظت باستثناءات قليلة لأسماء مثل ياني ويورغو. لقد اندمج هؤلاء في ثقافة بلد أجبروا فيه على الخضوع للخدمة العسكرية الإلزامية، بل وكذلك على خوض حروبه، و للكثيرين منهم، مثلاً، ذكريات عن حرب تشرين 1973.

وفي وقت كانت الأجيال الجديدة تنصت إلى لغة الماضي البعيد، وذاكرة الأجداد، كان بعض كبار السن في الضيعة يستسلمون لضرورات الحياة والاندماج، أحيانًا إلى حدّ لا يطيقه عرب هذه البلاد. لم أجد في حديث مدير مدرسة سابق أي أثر للحنين إلى البلاد التي هجرها أبواه في عزّ شبابهم. يقول إن المرة الوحيدة التي زار فيها موطنه الأصلي كانت في إطار زيارة حزبية (حزب البعث).

حين نستهجن أن ينتمي رجل من أصل يوناني إلى حزب قومي عربي، يفسر هو ذلك بالعــــودة إلى الأصل القديم، فبحسبه “عندما انكسرت الدولة الإسلامية في الأنــــدلس ركب المهزومون زوارقهم واتجهوا في غالبيتهم إلى جزيرة كريت اليونـــانية”. يحاول الرجــــل بالطبع أن يبرر انتسابه لـ “البعث” بانتساب عربي قديم.

 ما لم أعرفه في زيارتي لتلك القرية (قبل نحو تسع سنوات) عرفته تاليًا من فيلم وثائقي طويل حققه مخرج يوناني عن ضيعته المهرّبة. حيث صوّر الفيلم جانبًا كبيرًا من عادات ويوميات وأعراس الحميدية، ومنه عرفت أن بإمكانك أن تستمع إلى أم كلثوم وصباح فخري مترجميْن إلى اليونانية، وهناك ستكتشف بعض الأغاني العربية المترجمة عن اليونانية، كأغنية محمد جمال “آه يا أم حمادة”.

لكن هل جاءت هجرة شباب القرية إلى الشمال لمجرد نداء الجذور؟ أم أن الحياة كانت ضيقة إلى هذا الحدّ، ولم تستطع السنون أن توسّعها لهؤلاء الغرباء؟

قال لي شاهد من عرب البلدة أن أغلب شبابها هاجروا بعد الممارسات الطائفية التي كانوا يتعرضون لها”. يقول “إن يونانيي البلدة متسامحون جدًا، ولم تكن لهم أية ميول دينية أو طائفية، في وقت ينتمي عرب تلك القرية في أغلبيتهم إلى الشبيحة””. ويوضح “صحيح أن البداية كانت للعمل، أما الآن فالأمر مختلف.. لم يبق فيها تقريبًا إلا النساء والعجزة. من تبقى منها مسجون داخل بيته، خصوصًا في الليل”.. لقد “تعرض الكثير منهم للاعتقال والإهانة. اعتقل شباب الحميدية لأتفه الأسباب، منها مثلاً حمل سكين لتقطيع البرتقال”.

كذلك يحكي م.، أحد الذي اقتنوا شاليهًا في المنطقة، ما سمح له أن يخالط أهل الحميدية عن قرب، كيف تم الضغط على أهل البلدة “بعد أن حملوا لواء الثورة، حتى أن بعضهم استشهد في حصار حمص”. ويتابع “عندما حاولوا القيام بتظاهرات اجتمعت عليهم القرى المحيطة، وأنهت تظاهراتهم. وضعت نقطة عسكرية داخل القرية، كما وضعت حواجز على مداخلها. ووضعت مفرزة أمنية على حدودها حتى بات السكن فيها كابوسًا حقيقيًا”. ولا يفسر م. الإجراءات “الكابوسية” فقط بأن سكان الحميدية هم من الطائفة السنية في محيط علوي، بل وكذلك لأنها منطقة تهريب حدودية لمصلحة شخصيات معينة من النظام، كما تكتظ بمشاريع شاليهات يعود بعضها لنافذين.

على الجانب الآخر نقلت وسائل إعلام عودة بعض أبناء الحميدية إلى موطنهم الأصلي بعد مئة وثلاثين عاماً من الهجرة الأولى، لكنهم هذه المرة يدخلون كريت كلاجئين. هكذا وثّقت “بي بي سي” جانبًا من “عودة” شاب سوري- كريتي الأصل إلى موطنه. قالت حين تحدث أمام أحد الباعة بالكريتية التي يتحدث بها عادة لم يصدق البائع عينيه، أن أحداً ما في العالم يتحدث بهذه اللغة القديمة. ومع ذلك، فإن الأمر جد مثير للاهتمام. إلى حد أن الناس لا يترددون في إيقاف الشاب السوري-الكريتي في الشارع لسؤاله عن حكايته. يصور التحقيق الصحفي انطباعات اليونانيين إزاء أبناء بلدهم “اللاجئين” كما لو أنها احتفال بعودة الأبناء الضالين. كما لو أنه احتفال بعملية تصحيح للتاريخ.

الحكاية لمّا تكتمل. لم نعرف بعد ماذا حلّ بكل أبناء البلدة، ما هو مصيرهم جميعاً بعد أن توزعوا في تركيا وقبرص واليونان وألمانيا وسواها. ثم إننا لم نعرف بعد سيرة الضيعة بين هجرتين. إنها مئة وثلاثون عامًا، كم فيها من السير والقصص والهجرات. وهي في النهاية حكاية بضعة آلاف فقط من سكان هذا الشرق.

نبذة عن الكاتب

راشد عيسى

صحفي وناقد فلسطيني سوري

Loading Facebook Comments ...