عن المونديال والموندياليزم

أن يكتب شخص مثلي شيئًا بمناسبة مونديال كرة القدم الحالي، فهذا سيبدو مفارقة ساخرة لأنني قد أكون الرجل الأكثر جهلًا بهذه الرياضة في العالم. وعندما طلب مني، مع ذلك، أن أتصدى للأمر، شعرت بما يشبه على الأرجح، شعور وائل الحلقي عندما كلف برئاسة الحكومة، أو شعور بشار الأسد نفسه عندما استدعي ذات يوم على عجل من بريطانيا لكي يستعد لإدارة شؤون ميراث العائلة!

ولكنني على رغم جهلي الشديد بكل ما يجري في عالم كرة القدم اليوم، وعدم عنايتي بتحصيل أية معرفة في هذا المجال، قلت لنفسي: ولم لا؟ قد تكون هذه فرصة لقول شيء بعيدًا عن الكلام عن مأساة السوريين التي لم يعد جديرًا بها أي كلام… أليست هذه مناسبة جيدة للكلام في شيء مختلف عما يكتب في نقد المجتمع الدولي، والمجتمع المدني، والإسلاميين، والعلمانيين، والشوايا، والعلويين! وأكثر من ذلك؛ إن كون المرء جاهلًا يجب ألا يحرم عليه الخوض في شتى المواضيع. بل ربما يكون هذا، على العكس تمامًا، شرطًا لازمًا للتفكير ومعالجة المواضيع بطريقة جديدة، ومن “خارج الصندوق” كما يقولون. ألا يفعل الجميع تقريبًا شيئًا شبيهًا هذه الأيام؟ أليست هذه إحدى المكاسب الديمقراطية المهمة التي حصلنا عليها في عصر الموندياليزم العنكبوتي هذا الذي نعيش فيه؟

لتقليل الأضرار ما أمكن، سأتحدث عن الموضوع فقط من ذاكرتي الشخصية مع المونديال، وأود أن أحذركم مسبقًا من أنكم ربما تجدون كثيرًا من المعلومات المغلوطة فيما سوف أقوله لأن هذه الذاكرة معطوبة بشدة كما يجدر بأي سوري في مثل عمري ولا أنوي الاستعانة بغوغل من أجل تصحيحها.

أول مونديال شهدته في حياتي كان المونديال الذي أقيم، على الغالب، في ألمانيا الغربية وقتها، في سنة ما زوجية العدد من سنوات السبعينات… لم يكن لدينا في ذلك الوقت حظ امتلاك جهاز تلفزيون، ولكنني تمكنت من حضور حفل الافتتاح في منزل أحد أقاربنا الأكثر حظًا. أتذكر كيف سحرت مخيلة الطفل الذي كنته رؤية كرات قدم عملاقة موزعة بانتظام في أرض الملعب، تنفتح فجأة لكي يخرج منها رياضيون جميلون يؤدون حركات متناسقة على وقع الموسيقا، ويلوحون بالأعلام باسمين للجمهور الذي يحييهم بدوره بالهتافات العالية والتصفيق الحار.

منذ ذلك الوقت بات المونديال شيئًا مهمًا في حياتي، وخصوصًا بعدما أدخلت أمي عائلتنا في عصر الأنوار عندما اشترت لنا جهاز تلفزيون ضخم وملون أيضًا! لقد أصبحنا بفضل هذه المعجزة الصغيرة مواطنين عالميين نشارك فيما يحدث من ترفيه في هذا الكوكب، طبعًا بالقدر الضئيل جدًا الذي يسمح به الإعلام السوري الذي كان على الرغم من صرامته الخشبية -وربما بسببها- يحرص على نقل المناسبات الرياضية العالمية الكبرى مباشرة. كانت تلك أيضًا إحدى المنح النادرة التي كان يسخو بها الأب القائد بين حين وآخر. فسحة قليلة للتنفس كل أربع سنوات قبل أن تختنق الرعية البائسة من خطابات السيد الرئيس وبرقياته واستقبالاته، وبرامج مع الفلاحين ومع العمال ومع الطلائع، وأطقم سفاري الرفاق البعثيين، وأغاني سهام إبراهيم وفريد إسكندر. فرصة ثمينة من الحرية البصرية ومن توهم الانتماء إلى عالم آخر جميل وأخضر وساحر. كان ذلك عرسًا رياضيًا كبيرًا على ما كان يردد عدنان بوظو، المعلق الرياضي الأبدي وقتها، وكنت بدوري من أشد الحضور حماسة.

 كنت أبذل كل جهدي لتعويض جهلي التام، فأحفظ بدقة أسماء الفرق والمجموعات واللاعبين وأرقامهم ومراكزهم، وما هي الفرق المرشحة للصعود، ومن هم أشد المهاجمين خطورة ومن هم الأشرس في الدفاع، ناهيك بالطبع عن حفظ روزنامة المباريات. وهكذا، كان لا يمضي الأسبوع الأول من المونديال إلا وأنا أتكلم كأي خبير كروي عريق!

لم أكن بطبيعة الحال متفرجًا حياديًا ممن يشجعون “اللعبة الحلوة”، بل كنت دائمًا من المشجعين المتعصبين للغاية، أولئك الذين يشعرون أن بإمكانهم الإيمان بقيم الحقيقة والعدالة والجمال عندما يفوز فريقهم، أو، بالعكس، أن كل شيء باطل وقبض الريح عندما يخسر.

أعتمد غالبًا في اختيار فرقي المفضلة (وليس فريقًا واحدًا) على قاعدة أنني أفضل عادة الدول اللاتينية؛ الأرجنتين ثم إيطاليا وربما البرازيل إذا اضطرني الأمر. أحب كثيرًا طريقة اللعب العاطفية الحارة لهذه الفرق، إضافة إلى أنني، كالنساء، تشدني وسامة اللاعبين اللاتينيين! على كل حال، أنا لا أتبع بصرامة هذه القاعدة؛ إذ يمكنني بسهولة أن أتحول إلى تشجيع ألمانيا أو هولندا أو بلجيكا، أو أي فريق آخر مشارك ما عدا الفريق الفرنسي. هذا كله يعتمد على ما يظهره الفريق من مواهب وصفات نبيلة على أرض الملعب؛ الروح الجماعية والانسجام، التفوق والرجولة في الأداء الفردي، اللباقة والتواضع، والأهداف الجميلة قبل كل شيء طبعًا. ولذلك لا أختار الفرق التي أنوي تشجيعها إلا بعد مشاهدتي لمباريات الدور الأول جميعًا.

عليّ أن أعترف أن حماستي تلك لمتابعة المونديال قد تضاءلت كثيرًا منذ عقد التسعينات من القرن الماضي. قد يكون ذلك عائدًا إلى التقدم في العمر؟ ربما. ولكنني أعتقد أن السبب يعود إلى أن كرة القدم العالمية نفسها قد تغيرت كثيرًا مع هيمنة العولمة على العالم منذ ذلك التاريخ. قبل ذلك كانت لكل أمة نكهتها الخاصة في اللعب وكان من الممتع للغاية تذوق تلك النكهات المتنوعة؛ الماكينة الألمانية والطاحونة الهولندية والكاتيناشيو الإيطالية والسامبا البرازيلية وصولاً إلى الأسلوب المضحك للعب الإنجليزي التي كانت تعتمد على التمريرات الطويلة إلى قلب منطقة الجزاء. كان المجد الأكبر الذي يمكن أن يحصل عليه أي لاعب هو أن يشارك في المونديال من أجل تحقيق إنجاز ما لفريق بلاده في المنافسة العالمية.  ولكن بعد دخول كرة القدم في عصر الموندياليزم باتت جميع الفرق تلعب بنفس الطريقة تمامًا؛ لعب محترف وفعال وسريع، ولكنه بلا طعم بالنسبة لذائقتي الجاهلة على الأقل. أما اللاعبون النجوم فقد أصبحوا استثمارات عالمية بعشرات ملايين الدولارات، غير معنيين بنجاح فرق بلادهم الوطنية بقدر ما هم معنيون بنجاحهم الشخصي في بورصة الأندية الكبيرة.

ربما يكون ميدان كرة القدم العالمية هو المكان الأصلح لمراقبة طريقة تأثير ظاهرة العولمة على العالم وتغييره نحو الأسوأ برأيي، ولكن علينا، على كل حال، أن نتابع المونديال الذي يحل هذه الأيام لكي نتأكد من أن ما أقوله صحيح أو أنه مجرد عرض آخر من مرض النوستالجيا الذي يعاني منه رجل سوري، مشرد، لاجئ، في منتصف العمر!

نبذة عن الكاتب

مصطفى الجرف

كاتب سوري، مقيم حاليًا في فرنسا، حاصل على إجازة في الصيدلة من كلية الصيدلة، جامعة دمشق

Loading Facebook Comments ...