اللاجئون وبعض “العُنصرية” العادية

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

 

الأغلبية المُطلقة من اللاجئين السوريين إلى الدول الأوربية خاضت تجارب ذاتية واسعة من التفاعل والنقاشات مع مُنتمين لمستويات وطبقات مُختلفة من أبناء هذه المُجتمعات الأوربية، وأن المُشترك الأوسع فيما بينها كان ما يلي:

 يكون النقاش عادة مُتمركزاً  حول ثنائي مفترض، شخصان أو ذاتان جمعيان متقابلتان بالضرورة، ومختلفتان غالباً، ومتصارعتان في أحيانٍ غير قليلة. أياً كان الأمر أو القضية التي تُعتبر مدخلاً للحوار أو الكلام المُسترسل، سياسية أو رياضية أو مناخية أو اقتصادية، فهي ما تلبث أن تنفلت من سياقها التقليدي لتعود وتتمركز حول ثنائية ما، أساسها نحنُ/أنتم. فإذا كان الحديث عن الرياضة مثلاً، فأنه ما يلبث أن ينسحب ليدخل في سياق المُقارنة بين ما شاهده أو عاشه أو عرفه أو جربه الشخص الأوربي في هذا المنوال، وبين ما هي عليه هذه الأمور في المُجتمعات والبيئات والبُلدان التي قدم منها هذا اللاجئ.

إذ ثمة رفض شبه مُطلق لأمرين في هذا المقام: يتعلق الأول برفض وجود أشياء وقضايا وعوالم خارج الذوات المتقابلة، اشياء موضوعية ومشتركة، آدمية المنشأ وكُلية التعبير. يقابلها تضخم هائل للذات، لذات الأوربي أولاً، لأن ذات اللاجئ هُنا ليست إلا أداة ووسيلة ليكتشف فيها هو ذاته.

الأمر الآخر المرفوض يتعلق بنفي المساحة المُشركة من حيث المبدأ. فما يُبحث عنه هو درجة المفارقة وعدم التطابق والغرائب التي يُمكن أن تُحدثها المرويات المُتباينة. دائماً هُناك إصرارٌ بأن الجالسين ذوات تنتمي إلي أرومات آدمية مُتمايزة عن بعضها، مُتقابلة ومُتنافسة. هذه المُقارنات الدائمة والمفتوحة تدفع المرء بالتقادم للإحساس العميق بعدم الانتماء إلى ابسط التفاصيل التي يعيشها في هذه المُجتمعات، ولا يسمح بأن تتشكل ذاكرة بديلة وموازية لما له بالأساس، لأنه دوماً يجب أن يتحدث ويتمحور عما كان عليه.

تزداد وتيرة المركزية في النقاش عادة حينما يُجبر اللاجئ على الحديث حول القضايا التي في منطقته، عن الرياضة والمناخ والسياسية والمُجتمع والاقتصاد، عن الناس والحياة والمُخيلات والمُجتمع. فرويداً رويداً تنسحب المُقارنة الثُنائية لصالح تمركز الحوار والحديث عن اللاجئ.

إذ يُستحال تقريباً أن يتحدث الشخص الأوربي عن الأشياء الخاصة به، عن وعيه وسيرته وعلاقاته ومُجتمعه، عن الأشياء الأكثر عُمقاً ووجدانية وثقافية، الخاصة به وبذاته الجمعية. ثمة رفض مُطلق لذلك، لأنه ثمة من يسأل عادة، وهو الشخص الأوربي، وثمة من يُجيب ويسرد، الشخص اللاجئ.

 ثمة ازدراء مُستبطن، كامنٌ وراء آلية حكر الحديث عن الشؤون الخاص باللاجئ. فكأنه لا يستطيع – أي الشخص اللاجئ- أن يُحيط ويُجادل بالقضايا الخاصة بالشخص الأوربي المُقابل له، لا حياته ولا ناسه ولا ثقافته ولا مواهبه ولا حتى أبسط الأشياء الخاصة به. كأنه شخص لا يتمتع بالذكاء والقُدرة الكافية واللازمة للإحاطة بما يعيشه الشخص المُقابل له، سواء كفرد أو كجماعة. فاللاجئ يُفكر به وبأحواله وسلوكياته ومُنتجاته، بينما يُسحب مِنه الحق والكفاءة بأن يفعل ذلك بمُقابله. فكأنه هو الموضوع الدائم المطروحٌ للنقاش، بينما المُقابل ذاتٌ سائلة ومُفكرة، واعية لنفسها ومُحيطها من الأشياء، بما ذلك ذات اللاجئ بالضرورة.

ما يزيد من كثافة تلك العلاقة تعقيداً وتأكيداً لهذه الطبيعة غير العادلة عاملان جُزئيان في تلك الحوارات.

فالمواضيع عادة تُسحب لأن تكون مُحتكرة على بعض القضايا التقليدية الخاصة بالثقافة التحتية لمنطقتنا، عن الأطعمة والجنس والعلاقات العائلية والرقص والعنف والاستبداد والأبوة وتعدد الزوجات والأرياف والقبائل والتاريخ…الخ، إذ لا شيء عن الآداب والثقافة والسياسة والطبقات والمُدن والموسيقا والفنون والمؤسسات والحياة العامة والمجتمع المدني…الخ. وإن جرى ونُقشت هذه القضايا، فأنها تُناقش في سياقها الأوربي فحسب. وهي قسمة تقليدية ذات دلالة على توزيع المواقع على ما يُتخيل كسُلمٍ لتراتُبية الجماعات الكُبرى.

الأمر الآخر يتعلق بمستوى الاستعجاب الذي يُبديه الشخص الأوربي تجاه أبسط المُفارقات والمعلومات التي لا تتطابق مع ما لديهم. فالاستعجاب الدائم والمتواصل من قِبل الشخص الأوربي، أنما دلالة على أن الموضوعي والطبيعي والعادي والمنطقي والعادل هي الأشياء والمناخات والمُنتجات والافكار التي عاشها وجربها وتبناها هو، بينما تلك التي للاجئ أنما غرائبية وغير موضوعية وغير منطقية ومذهلة، تستجلب كُل علامات التعجب.

  لا يعرف كاتب هذه السطور إن كان لتجربته الشخصية أن تمنحه الحق بإعطاء بعض الأحكام العامة، خصوصاً تلك التي تتعلق بشؤون المُجتمعات وعلاقاتها المُتبادلة. لكنه بالمُقابل يراها تجربة مُشتركة مع العديد من الذين عاشوا تجربة شبيهة بما عاشها هو، أي تجربة اللجوء السياسي والإنساني إلى الدول الأوربية وتفاعله مع مُجتمعات هذهِ الدول. وبذا فأن آرائه وأحاسيسه في هذا الموضوع، غير أنها ليست شخصية بحتة، وهي تملك روح الانطباعية التي هي أحدى أدوات الحُكم والمعرفة في العلوم الإنسانية.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...