لماذا نحبّ البرازيل؟

 دخلت لينا البيت مخبئة يدها اليمنى خلف ظهرها وعلى وجهها ابتسامة عريضة. كانت ابنتنا ذات الشهور الثلاثة تنظر إليّ فيما كنت أقرأ رائعة الحرب والسلم للعظيم ليو تولستوي. سألتني أن أحزر سرّها الذي تخفيه خلف ظهرها. بعد عدّة محاولات فاشلة مني أخرجت كيسًا ورقيًا فيه قميص منتخب البرازيل، قميص صغير على حجم ابنتنا. ضحكتُ بشدّة. سألتها، لماذا؟ ألم نتفق أنّنا لا نحب الفرق القوميّة التي تتصارع بغباء من أجل رفع علم بلادها وتأجيج النزعات الوطنيّة والقوميّة؟ سكت للحظة ثم أردفت: ثم لماذا البرازيل ونحن نعيش في ألمانيا وأنتِ ألمانيّة ونصف ابنتنا ألماني؟ أجابتني: إنّه قميص البرازيل، القميص الذي كنتَ ترتديه صغيرًا، على ابنتك أن ترتدي مثله، يجب أن نحافظ على تقاليد عائلتك.

عائلتي تشجع البرازيل منذ عرفوا كرة القدم، لاحقًا أحبّ جدي مارادونا، وأحب أبي لفترة قصيرة زين الدين زيدان وأنا شجعت إيطاليا أثناء مراهقتي وفي سنوات شبابي الأولى، لكن حبّ منتخب البرازيل لا ينازعه حب في العالم، بيليه، زيكو، سقراط، بيبيتو، تفاريل، روماريو، رونالدو، ريفالدو رونالدينيو… كلّ هؤلاء كانوا من أفراد عائلتنا، كنّا نقول أسماءهم كما لو كنّا نقابلهم كلّ يوم، كما لو كانوا رفاقنا في المدرسة. كنّا نكتب أسماءهم على قمصاننا بقلم جاف ذي لون أزرق وكنّا نسمي أنفسنا بأسمائهم. هؤلاء كانوا أسياد كرة القدم وأساطيرها ومن جعلنا نغرق في حبّ هذا الشيء المدوّر الذي لا يتوقف دورانه حتى لو توقفت الأرض عن الدوران.

تعلمت رسم العلم البرازيلي قبل أن أعرف رسم علم سوريا، كانت تعنينا البرازيل أكثر، لم نكن نعرف موقعها على خارطة العالم ولم نكن نعرف شيئًا عن شعبها وعن سياستها، لكننّا كنّا نعرف تاريخ مبارياتها ولاعبيها منذ أن نعي وجودنا في هذا العالم. كنّا نرضع حب البرازيل مع حليب أمهاتنا.

بعض أفراد عائلتنا الكبيرة تحولوا إلى  تشجيع الأرجنتين بعد سطوع ظاهرة مارادونا، وبعضهم أحبّ ألمانيا، لكثرة المهاجرين الأكراد إليها، لكنهم بقوا أقليّة ضمن محيط عائلتنا البرازيلي الذي رقص فرحًا على كرة روبرتو باجيو الأخيرة الضائعة في نهائي كاليفورنيا ١٩٩٤.

بعد كأس القارات سنة ١٩٩٧والتي حقق لقبها منتخبنا البرازيلي، وتحضيرًا لكأس العالم الذي سيقام في فرنسا في الصيف التالي، اشترى والدي لي ولأخي ثياب المنتخب البرازيلي الكاملة، الشورت الأزرق مع القميص الأصفر. كانت تلك فرحتنا الأكبر، كنّا روماريو ورونالدو الحارة آنذاك.

كانت خسارة رونالدو أمام فريق زين الدين زيدان في نهائي باريس ١٩٩٨ كارثة في بيتنا، كنّا نقول إنّ اللاعبين تعاركوا في غرفة خلع الملابس بين الشوطين لذلك لم يلعبوا جيدًا، وكنّا نقول إنّ الفرنسيين اشتروا المباراة، وكنّا نقول أنّ جاك شيراك دفع الكثير من النقود للحكم كي يفوز الفرنسيون في النهاية، وكنّا نقول ونقول… ولا نتوقف عن إيجاد المبررات لخسارتنا القاسيّة.

بعد أربع سنوات كنّا على موعد جديد مع أبطالنا، ديدا، رونالدينيو، روبرتو كارلوس، ريفالدو، رونالدو العظيم، دينيلسون… وكنّا على أهبة الاستعداد للفوز. في تلك السنة كان فرحنا لا يوصف خاصة وإنّ السنغال غلبت فرنسا في دور المجموعات الذي فازت به البرازيل على تركيا، المنتخب الذي يمثل أولئك الذين يقتلون أقرباءنا الأكراد.

كلّ مباراة كانت خطوة نحو تحقيق الحلم. الحلم الذي بدأ بمشاهدة قصة شعر رونالدو العجيبة والتي قلدها بعض أطفال العائلة وصولًا لهدفي بطلنا في مرمى أوليفر كان الألماني. ورفعنا الكأس مرة أخرى.

في المونديال التالي كنت الوحيد في العائلة الذي يشجع إيطاليا، ووضعت علمهم على شرفتنا، لكنني حزنت مثل الجميع حين حرمت فرنسا البرازيليين مرة أخرى من الوصول إلى أدوار متقدمة. لكن لا بأس إيطاليا ربحت الكأس وطردت زيدان شر طردة.

في عام ٢٠١٠ قررت التوقف عن تشجيع المنتخبات الوطنيّة لأنّها تعزز النزعات القوميّة الضيقة والعنصريّة، لكن ورغم ذلك حزنت على خسارة البرازيل من هولندا التي يعيش فيها عدد كبير من أفراد عائلتنا التي تشجع البرازيل أكثر من البرازيليين.

في الدورة الموندياليّة اللاحقة كنت أعيش في ألمانيا، كنت مشجع البرازيل الوحيد بين عشرات المشجعين الألمان في نصف النهائي الكارثة. واليوم قبل بدء المونديال الجديد تنازعني أفكاري؛ من جهة كرة القدم لعبتنا التي لن نتخلى عنها لديكتاتوريين يستغلونها من أجل تبييض صفحاتهم ومن ناحية أخرى فإنّ البطولة تقام في روسيا وهي السبب المباشر في قتلنا وتهجيرنا.

ماذا أقول لطفلتي عن السياسة والغباء عندما يقترنان بكرة القدم؟

  • لن أقول لها شيئًا، لتكتشف ذلك بنفسها، كل ما سأقوم به هو تعليمها حب هذه اللعبة.

إذن، ستبدأ طفلتنا حياتها الكرويّة بحب البرازيل، وسترتدي قميصهم ذا النجوم الخمسة مثلما ارتدت قميص الأهلي المصري سابقًا ولفت نفسها بوشاح نابولي الإيطالي كما سترتدي قميص أرسنال الإنكليزي عند بداية الموسم القادم، سأعلمها أن تحب بروسيا دورتموند وتغني لهم إن ربحوا وإن خسروا. هكذا سأعلم طفلتي أن تحب كرة القدم، لعبتنا العظيمة، ديننا الذي لا نستغني عنه.

نبذة عن الكاتب

دلير يوسف

‏ كاتب ومخرج من سورية، مقيم حالياً في العاصمة الألمانية برلين

Loading Facebook Comments ...