المانشافت والطريق إلى النجمة الخامسة

في الثامن من تموز / يوليو 2014،  الليلة التي شهدت مباراة  كأس العالم لكرة القدم بين ألمانيا والبرازيل، وبعد نهاية المباراة – الملحمة، انتشرت تغريدة على تويتر: “البرازيل لديها نيمار. الأرجنتين لديها ميسي. البرتغال لديها رونالدو. أمّا ألمانيا فلديها فريق”. ولقد نُسبت التغريدة من قبل وسائل الإعلام إلى اللاعب الإنكليزي ستيفن جيرارد؛ لأنها أُطلقت على حساب @iSteven8Gerrard، ثم تبين أنه  ليس حساب اللاعب؛ بل حساب أحد مشجعي نادي ليفربول.

وقد كانت هذه التغريدة هي القول الأساس للفيلم الوثائقي، الذي أنتجه الاتحاد الألماني لكرة القدم عن رحلة الفريق نحو النجمة الرابعة: Die Mannschaft/ الفريق.

وعلى الرغم من أن المنتخب يعجّ بنخبة من نجوم اللعبة، فإن لا أحد يتفرّد كنجم في ظل الفريق، ولا أحد يتعالى على المهمة القومية التي يحضّر لها الجميع بمنتهى الجدية والصرامة؛ ولهذا لم يأت حصد اللقب الرابع في 2014 من فراغ، إذ كان اتحاد الكرة الألماني يحضّر لهذا المشروع منذ سنوات، في إطار رؤية واستراتيجية واضحتين ومحددتين؛ وعلى هذا فقد كانت النجمة الرابعة قادمة لا محالة، ولم تكن المسألة سوى مسألة وقت لا أكثر.

من هنا، ولكي نفهم الثقافة الكروية الألمانية بشكل أفضل، لابد أن نتأمل في الشعار الذي اعتمده الفريق من أجل البطولة المقبلة في روسيا: Best Never Rest (الأفضل لا يعرف الراحة أبداً)، ويا له من تكثيف! ويا له من حافز! ويا له من توظيف! حينما، على مدار الساعة، يرى اللاعبون هذه العبارة مطبوعة على قمصانهم وعلى الحقائب، في كل يوم، وفي كل مكان ينظرون إليه: في المعسكر التدريبي الذي يسبق البطولة، وخلال البطولة ذاتها. إن هذا بحد ذاته شحن معنوي خارق.

وبالإضافة إلى ذلك؛ فإن الفريق أقام معسكرًا تدريبيًا- حيث أحلم أن أذهب في يوم ما – للمرة الثالثة على التوالي قبل نهائيات كأس العالم في إيبان، في إقليم التيرول شمال إيطاليا. إن اختيار مكان المعسكر في تلك

إقليم التيرول

المنطقة والتشبث به، لم يأت عن عبث؛ مادام سحر الطبيعة وهدوء المكان لهما الدور الكبير في بناء اللاعب ذهنياً وبدنياً. وبالطبع، إن الميزات التي تتوافر في المعسكر، لابد أن تصب كلها في اتجاه راحة اللاعبين والترفيه عنهم والوصول بهم إلى أعلى درجات التركيز من أجل أداء المهمة المطلوبة. ثم، وعلاوة على هذا، تأتي زيارة أنجيلا ميركل إلى المعسكر، لتعزّز من ثقة اللاعبين بأنفسهم، ولتؤكد احترام الأمة لهم ووقوفها خلفهم، وهم ذاهبون لتحقيق المجد، ليس لهم  كمنتخب وطني فقط، بل لألمانيا كلها.

ولم ننس كيف قامت ميركل بتكريمهم، في العام 2014، بعد عودتهم بكأس العالم وبالنجمة الرابعة من البرازيل، ولن ننسى كيف منحتهم ميداليات شرفية ضمن حفل رسمي ضمّ رجالات الدولة والرياضة.

ولو نظرنا إلى الجهاز الإداري والفني، فإننا نجد أن أغلبهم من لاعبي المنتخب الألماني السابقين، وهذا ما يعطيهم القدرة على بث الثقة في اللاعبين الصغار وتحفيزهم إلى حد كبير، لأنهم يعلمون تماماً عمّا يتكلمون، فقد كانوا هناك على أرض الملاعب فيما سبق، وقد حققوا الأمجاد. وهي مشاعر صادقة في كل الأحوال، وتنتقل بالعدوى. كذلك، إن وجود بعض اللاعبين، الذين كانوا قد توِّجوا ببطولات ماضية، مع الجيل الجديد، الذي يخوض غمار البطولة للمرة الأولى، له الأثر الكبير في حثّ هذا الجيل وتحفيزه للإنجاز.

والمدرب الحالي للمنتخب، السيد يواكيم لوف، هو المدرب العاشر للمنتخب الوطني منذ تأسيسه في العام 1926، وقد تم التجديد له حتى العام 2022. قراراته لا تقبل مناقشة، ولا يشكك بها أحد، وليست خياراته قابلة للمساومة، فالجميع واثق – وأنا أولهم – أنه يقوم بكل ذلك من أجل مصلحة الفريق والأمة.

ولقد علق الصديق الإعلامي الرياضي محمد عوّاد، على السيد لوف قائلاً: إنه أكثر مدرب يستفيد من المباريات الودية، فلا يضع الربح و الخسارة في حساباته، بل يستعملها لتجريب الخطط واللاعبين والاستراتيجيات والتكتيكات وما إلى ذلك، حتى بات عشاق المانشافت يتوقعون الخسارة قبل الفوز في المباريات الودية، لأنها حقل تجارب من أجل التحضير للاستحقاقات الكبيرة التي لا يفرّط بها الفريق. هناك لا يُترك أي شيء للصدفة، والخطأ ممنوع، والجميع منهمك في العمل -مهما كانت النتيجة-  حتى صافرة النهاية، إلى درجة أن بعضهم يتهم الفريق بالتنمّر على الفرق الأخرى! وقد يكون أفضل مثال على ذلك، هو: مباراة المينيراو مع البرازيل، التي انتهت 7 -1 لصالح ألمانيا.

وفي كأس العالم 2014، استقر الفريق في المقر الذي أعدوه خصيصًا لإقامتهم. وقد قاموا هم بتمويل بنائه وفرشه، واصطحبوا معهم كل المعدات والتجهيزات التي سيحتاجونها، بما في ذلك بعض المأكولات الخاصة وعبوات المياه البلاستيكية التي سوف يشرب منها اللاعبون في المباريات. ثم بعد انتهاء البطولة قاموا بتقديم المقر هدية إلى المنطقة، لاستثماره كما تريد وترغب. بالطبع، يمكننا أن نتصور أن كلفة المقر التي قُدرت بـ 25 مليون جنيه استرليني ما قد تمثله بالنسبة إلى ميزانية الكثير من الدول!

ومهما كان الأمر، فلا يمكن أن أنسى المباراة النهائية مع الأرجنتين في عام 2014، خصوصاً تلك اللحظة التي  تأكدتُ فيها أن المانشافت سوف يتوّج باللقب، عندما قرّر السيد لوف أن يدفع بماريو غوتزه إلى الملعب، بعد أن همس في أذنه: “اذهب، وأثبت للعالم أنك أفضل من ميسي!”. بعد هذه العبارة، دخل ماريو وهو في كامل جاهزيته وكان مستعداً للموت، وليس لتسجيل هدف الانتصار والفوز باللقب الغالي فقط.

وفي النهاية- وما أكثر النهايات!- قد يسأل الأصدقاء: ما هي العلاقة بين عملي في نشر الكتب وشغفي الكبير بالمانشافت؟ وهو سؤال مشروع، وجوابه في غاية البساطة:  إن الرياضة ثقافة أولًا، والمانشافت هو المؤسسة الأفضل  لتمثيل هذه الحقيقة.

نبذة عن الكاتب

سمر حداد

ناشرة دار أطلس دمشق – بيروت. شاركت في ونظمت ورشات عمل متعلقة بالمهنة على الصعيدين المحلي والعالمي. منسقة الشبكة العربية في التحالف الدولي للناشرين المستقلين.

Loading Facebook Comments ...