المونديال… هيا نكتب عن كرة القدم!

يجد كتاب الدوريات المطبوعة والمواقع الإلكترونية، أنه من المطلوب منهم أن يكتبوا عن الرياضة، كلما حانت مناسبة رياضية ذات اعتبار. ففي تلك الحالات، تخصص الجريدة مثلًا، ملفًا خاصًا عن الأولمبياد، أو يحث محرّرو موقع ما كتّابه على تخصيص مقالهم الشهري عن كأس العالم لكرة القدم.

 وأنا هنا لا أعني المحللين الرياضيين مثلًا، ولا صحفيي الأقسام الرياضية، فهؤلاء قطعًا يقومون بتلك المهمة على مدار العام، لا مرة كل أربعة أعوام. والحقيقة أن من أعنيهم، من كتاب أعمدة الرأي وصفحات الثقافة، يجدون أنفسهم وقد كتبوا عن الرياضة في غير مواسمها أحيانًا كثيرة، ودون حث من أحد، ولا أستثني نفسي بالطبع. فإذا كنت تكتب عن الشأن العام في مصر مثلًا، سيضحي من الصعوبة الشديدة أن تتجاهل إغراء ظاهرة كمحمد صلاح اليوم، ولو تعلق الأمر بالسياسة فالأمر أصعب، فكيف يمكن ألا تكتب عن الألتراس، وبل وحتى إن كنت غارقًا حتى أذنيك في السنوات السبع الماضية، في الحرب السورية وتفاصيلها البشعة والمجهدة، فلا بد أنك قد وضعت كل هذه جانبًا، لتتابع الجدل العنيف بين معارضي النظام حول مباريات المنتخب الرسمي في المنافسات المؤهلة لكأس العالم، ودعوات البعض لتشجيع الفريق، بالرغم من كل شيء.

وهذا كله ليس مستغربا تمامًا، أو غير متوقع، وإن كان ظاهرة حديثة إلى حد كبير. فقبل عقد على الأقل، لم يكن معتادا أن تخصص المطبوعات الدورية ملفًا عن كأس العالم مثلًا خارج صفحات الرياضة، أو أن يدلي كتاب الرأي بدلوهم في الأمر. وربما لهذا أكثر من سبب واحد. فحس مهني تمتعت به صحافتنا التقليدية كان يلزم باحترام التخصصات وحدودها، وإلا لبدأ المحللون الرياضيون في الكتابة عن الأدب، لا قدر الله، كما أن صحافيي الثقافة يكتبون عن التنس مثلًا.

وسبب آخر لا يمكن إهماله، هو تلك النظرة الدونية التي لطالما وجهت نحو الرياضة بوجه عام، والتي لسبب ما جعلت الكثير من الكتاب يجدون في تقافز مجموعة من النساء والرجال على أطراف أصابعهم، وجريهم في هذا الوضع في دوائر، واحدًا من أسمى فنون الرقص الكلاسيكية، لكن وحين يتعلق الأمر بركل الكرة والجري وراءها فتصبح المسألة بالنسبة لهم شعبوية جدًا ومثارًا للتأفف. وحتى لهؤلاء ممن يجدون أن جوهر الأدب هو كونه هدفًا في حد ذاته دون أي غاية خارجة، فإنهم ما زالوا يجدون صعوبة في فهم الولع الجنوني بالكرة، وغالبًا ما يستنكرون حالة “التغييب” المرتبطة بها، ويدللون عليها بتساؤلهم عن الجدوى والغاية من تلك اللعبة السخيفة أو مشاهدتها! والجدير بالملاحظة، أنه باستثناء نماذج محدودة جدًا، لا يوجد أدب عربي عن الرياضة على الإطلاق، للسبب نفسه. وهناك دوافع أخرى، أقل عجرفة وأكثر تواضعًا، كأن يظن بعض الكتاب في أنفسهم، أنهم لا يعرفون الكثير عن أمر الرياضة مثلًا، أو ما يكفي من المعرفة ليتحدثوا بصوت الخبير أو صاحب الرأي، أو يجدون فيها مسؤوليه تثقل عليهم، مكتفين بالحديث فيما يعرفون.

لكن ذلك تغير تمامًا اليوم، لحسن الحظ، ولأسباب ربما يصعب حصرها، وإن كان يمكننا تخمين عدد منها. فتلك الانفراجة الهائلة في وسائط النشر الإلكتروني، قد دفعت لسياسات كتابة مختلفة عن الماضي، معنية باجتذاب جمهور أكبر، ولفت نظره في خضم كم هائل من المواد المنشورة يوميًا، ولا يوجد أكثر فاعلية من الرياضة بالطبع لتفعل هذا. والسبب الثاني، أنه ربما ومنذ أن أصبح كتاب رولان بارت، “أسطوريات.. أو أساطير الحياة اليومية” متاحًا في نسخة “بي دي إف”، فإن كثيرين، وأنا من بينهم، أدركوا أنه كما أمكن لبارت تطبيق مبادئ السيموطيقا، على المصارعة الحرة، فيكمن فعل الشيء ذاته مع كرة القدم أو رمي القرص وأي شيء آخر.

 وللكّتاب ذوي الحس الشاعري، والأكثر رهافة، فإن كتاب “كرة القدم بين الشمس والظل” لإدواردو غاليانو كان مصدرًا ملهمًا للاقتباسات الأدبية. وهو كان مفيدًا جدًا لي بالفعل، ففي مقال لي قبل أسبوعين قارنت بين القدر وكرة القدم، وهذه فكرة غاليانوية خالصة، وإن كنت أتمنى أن أحدًا لم يلاحظ ذلك حينها. والحقيقة، أنه في كل هذا، لم يخسر الكتاب المثقفون وقارهم، كما كان يخشى البعض، بل على العكس وجدوا في الكتابة عن كرة القدم مثلًا، توسعًا إلى أراضٍ جديدة، تمتد من الرياضة، وتشمل الموسيقى بالطبع، وصولًا إلى الطهي. ولم يحمل هذا مخاطرة بحدود التخصص المهني على الإطلاق، فحتى لو كتب الروائيون أو كتاب الرأي عن الرياضة أو المطبخ، فمن المستبعد أن يتجرأ المحللون الرياضيون على الكتابة عن الشعر الحر، أو الطباخون على تحليل ما بعد الحداثة ونظرية القيمة لدى ماركس.

لكن المعضلة في كل هذا، أن التيمات الممكن توظيفها للكتابة عن الرياضة، تبدو محدودة وقد استهلكت إلى حد ما في فترة قصيرة. ففي حالة كأس العالم، لا يصعب تصور ما يمكن أن يكتب عن الأمر: النظر للموضوع برمته بوصفه وعيًا زائفًا يفرض على الجماهير، وبروباجندا رأسمالية، وتدعيمًا لمفهوم القومية والفخر الوطني، وتسليعًا للمتعة، واستفحالًا لقيم الاستهلاك والصورة، وكل هذه التحليلات الماركسية من طبعة مدرسة فرانكفورت. أو يتم تناول الأمر من زاوية التحليل الفرويدي، حيث تصبح المباريات تساميًا لفكرة الحرب، تختفي وراءه فحولة عقد أوديبية، أو طاقات عنف لغريزة الموت تحملها حشود الجماهير وهكذا. وحين يأتي الأمر لما بعد الحداثة الفرنسية، فمصطلحات اللذة والرمز والمتعة تبدو كمدخل أكثر حيادًا، واحترامًا للثقافة العامة ولمزاج الطبقات الشعبية، كما يجب على أي شخص يميل لمدرسة برمنجهام في الدراسات الثقافية أن يفعل. وبالطبع يوجد أدب التناول الذاتي، بأن تكتب عن ذكرياتك الشخصية مع كأس العالم أو الرياضة في الطفولة أو المراهقة، وكيف قادك هذا لاكتشاف نفسك أو العالم. وإذا قررت أن تتجاوز كل هذا، فيمكنك أن تفعل ما أفعله في هذا المقال بالتحديد، أي أن تتفادي الحديث عن الرياضة كليًا، مستخدما بعضا من الحيل المجربة.

وأنا على غير ما يوحي ما كتبته حتى الآن لست ضد الكتابة عن كأس العالم، أو ما يكتب عن الرياضة على الإطلاق، ولا ضد موسميتها. لكن ما يحيرني حقًا، هو أنه في مدينة مثل القاهرة مثلًا، لا يندر أن تجد كاتبًا نخبويًا أو مثقفًا مهووسًا بالكرة، بل وأنه من المعتاد أن تجلس مع روائي مشهور إلى حد كبير وكاتب صحفي هو الأشهر في جيله في مقهى في وسط المدينة، ولن يتجاوز الحوار الذي سيمتد إلى الفجر، العراك بصوت عالٍ حول مباراة متواضعة الأهمية في الدوري المصري أو صفقة بيع لاعب من نادي غزل المحلة. ومع هذا فإن هؤلاء ممن يعرفون الكرة بشبق جنوني، وربما يمارسونها أيضًا بكل حماس، هم تحديدًا من لا يكتبون كلمة واحدة عنها. وأنا لا أعرف إن كان هذا إدراكًا منهم لاستحاله قدرتهم على النظر بموضوعية، أم أنه يخافون علي أن محاولة الإلمام بهذا السحر الذين يرونه (ولا أراه للأسف بالقدر نفسه)، عبر الكتابة، سيكون تدنيسًا للكرة وبخسًا من قيمتها، ونزعًا للقداسة عنها!

نبذة عن الكاتب

شادي لويس

كاتب وباحث مصري، حاصل على شهادة الماجستير في علم النفس من جامعة إيست لندن، يكتب المقال في عدد من المواقع والصحف العربية

Loading Facebook Comments ...