كأس العالم والبرازيل والأوطان البديلة

ثمة مشهد من طفولتي لا يزال يحتل مساحة من ذاكرتي، أستعيده كلما اقترب موعد كأس العالم، المشهد هو التالي: رجال ونساء وأطفال في قريتي الصغيرة، نجلس في دائرة مغلقة في الساحة الوحيدة في القرية، وفي منتصفنا تمامًا جهاز راديو صغير، نتابع من خلاله مجريات مباريات كأس العالم. كنت صغيرة على إدراك الاختلافات بين الفرق المشاركة في المونديال، لكنني كنت أتفاعل مع صوت المذيع الذي ينقل المباريات، أذكر أنني كنت أقفز مع القافزين كلما صرخ المذيع فرحًا بدخول هدف في مرمى ما، لم أكن، بطبيعة الحال، أشجع فريقًا معينًا، ولم أكن أعرف من هي الفرق التي يشجعها أهل قريتي، لكنني كنت مفتونة بحركة اللاعبين وهم يتبادلون الكرة على أرض الملعب، كان صوت المذيع/ المعلق هو الشاشة التي نرى من خلالها ما يحدث هناك، حيث لا نعرف.

بدأت علاقتي مع كرة القدم منذ ذلك الزمن، لكنها لم تصبح يومًا علاقة حميمة، لست من المتابعين الدائمين لكرة القدم، لا أتابع مباريات الأندية الأوروبية، ولا أعرف شيئًا عنها إلا أسماءها التي يرددها أمامي أصدقائي الشغوفون بالمستديرة الساحرة، وإن كنت أعرف كل تفاصيل هذه اللعبة المذهلة التي تفتن العالم كله، بشعبويته ونخبويته، هذا الافتتان الذي يحول جمهورها إلى كتلة من الهيجان يمكنها أن تنفجر في أية لحظة وتصبح أداة عنف منفلتة، الافتتان نفسه الذي يجعل من كرة القدم لعبة سياسية تستخدمها الأنظمة في صراعاتها الخارجية، وتوظف هيجان جمهورها العريض لخدمة هذه الصراعات، والغريب أن الجماهير تنساق لهذه الوظيفة بوعي مغيب! ربما هذا ما يجعل من كرة القدم أكثر الألعاب الرياضية ارتباطًا بالسياسات المحلية والدولية، إذ من خلال التحكم بها يمكن التحكم بالرأي العام في مختلف القضايا.

على أن قلة حميميتي مع كرة القدم لم تمنعني من متابعة مباريات الفريق السوري، والحماس الوطني له، وتشجيع اللعبة الحلوة تيمنًا برأي المعلق السوري الراحل الشهير عدنان بوظو، الذي كان كلما دخل هدف في المرمى السوري يقول جملته الأثيرة: (معليش.. نحن منشجع اللعبة الحلوة). تشجيع اللعب الحلو نفسه هو ما جعلني لاحقًا أقع في غرام الكرة البرازيلية، ففي الوقت الذي كانت فيه صديقاتي يقعن في غرام اللاعبين الطليان، كنت أنا أميز لاعبي السامبا البرازيلية واحدًا واحدًا، كنت معجبة جدًا بزيكو، وأغرمت ذات يوم بسقراطـ رغم أنه لم يكن وسيمًا، ثم لاحقًا روماريو وريفالدو ورونالدينو وروبرتو كارلوس، وباقي السحرة بألوان ثيابهم الزرقاء والصفراء. المنتخب البرازيلي هو وحده من جعلني أتابع مباريات المونديال حين أصبح لدينا جهاز تلفزيون (ماركة سيرونكس) أبيض وأسود في بيتنا، كانت القناة السورية الوحيدة تنقل مباريات كأس العالم، قبل أن يتم احتكار عرضها من قبل فضائيات دولية بعد اختراع الأقمار الصناعية والبث الفضائي.

 لم يشبه المنتخب البرازيلي أي منتخب آخر بالنسبة لي، لم أره يومًا يلعب لعبة كرة القدم، كنت أرى في حركات أقدام اللاعبين مع الكرة مشهد رقص، تلك الانسيابية في رمي الكرة، والرشاقة في الركض خلفها، والتسديدات الخلفية التي كانت تدخل في مرمى الخصم مباشرة، وكأن للاعب عين خلفية تحدد المرمى، أو التسديدات الركنية المذهلة التي كان ينتج عنها أهداف محققة، ثم ليونة أجساد لاعبي المنتخب، واللطف والأناقة في التعامل مع المنتخب الخصم على أرض الملعب، عكس المنتخبات الأخرى، لاسيما المنتخب الإنكليزي والمنتخب الألماني، لم أحب لعبهما يومًا، مع أن المنتخب الألماني اليوم يشبه المنتخب السوري للسوريين، حيث يوجد في ألمانيا مئات آلاف السوريين سوف يشجعون منتخب الدولة التي تستضيفهم، وهي إحدى المفارقات الكبرى في علاقة السوريين مع المونديال هذا العام، حيث يجري المونديال في روسيا، الدولة التي ينقسم حولها السوريون، قسم يراها دولة محتلة تدعم نظام الأسد وتفتك بالسوريين، وقسم آخر يراها دولة صديقة تساعد سوريا، والسوريون اليوم موزعون في أرجاء الأرض، يعيشون في دول تستضيفهم وتعوضهم عن بلدهم المفقود، هم سيستبدلون منتخبات تلك الدول بالمنتخب الوطني، سيصبح منتخب الدولة المضيفة هو منتخبهم الوطني، كيف سيشجع سوري فريق الأرجنتين مثلًا، كما كان طوال حياته، وهو يعيش حاليا في فرنسا كأي مواطن فرنسي؟!

أتذكر اليوم أنني لم أتابع أية مباراة في المونديال الماضي، لم أكن بعد قد تمكنت من تناسي ما يحدث في سوريا وأنا في مصر، لم يكن قلبي يحتمل تشجيع منتخبي المحبوب، في الوقت الذي يتساقط فيه القتلى في سوريا بأسرع من تسديدة على مرمى. يختلف الوضع اليوم، أخذتني الحياة إلى أماكن أخرى، مثلما أخذت سوريا والسوريين جميعًا، عدنا بشكل ما إلى الحياة الطبيعية كل حيث يقيم، أنا ما زلت في مصر، والمنتخب المصري مشارك في كأس العالم هذا العام، أصدقائي المصريون يتحضرون لمتابعة المونديال، سأكون معهم حتمًا وسأشجع المنتخب المصري، وثمة أمل أن يصل إلى النصف النهائي فيما لو خفت إصابة محمد صلاح واستطاع مشاركة فريق بلاده في المونديال، أجزم أن المصريين جميعا يصلّون له كي يشفى، أكاد افعل مثلهم أنا أيضًا.

 لدي هذا المونديال منتخبان للتشجيع، منتخبي المفضل الأبدي، ومنتخب الوطن البديل، إذ حين تستعير وطنًا ستسعير معه كل التفاصيل المتعلقة به، أن تجلس في المقهى مع أصدقائك ويرتفع لديك الأدرينالين كلما علا صوت تشجيع المحيطين بك، وأن تقفز عن كرسيك لو أدخل منتخبك الوطني البديل هدفًا في مرمى الخصم، ذلك جزء من تفاصيل أوطاننا البديلة .

نبذة عن الكاتب

رشا عمران

شاعرة وكاتبة سورية، أصدرت 5 مجموعات شعرية، كما أصدرت أنطولوجيا الشعر السوري من 1980 إلى عام 2008. وتكتب المقال في عدد من المواقع والصحف السورية والعربية.

Loading Facebook Comments ...