الإسلام الاجتماعي الكُردي

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

في برامج تلفزيوني رمضاني ترفيهي، كانت تبثه قناة من إقليم كُردستان العراق قبل أيام، فأن المُذيعة كانت تسأل العامة في شوارع مدينة أربيل عن أسماء الخُلفاء الراشدين في الإسلام. لم يتمكن أحد من الذين تم سؤالهم عن تحقيق الإجابة الصحيحة على ذلك السؤال، ولو بشكلٍ نسبي، كأن يعرفوا واحدٍ أو أثنين من هؤلاء الخُلفاء. حتى أن الأغلبية المُطلقة منهم لم يكونوا يتمكنون حتى من معرفة ما يعنيه السؤال أساساً، فما أن كانوا يتلقون السؤال، حتى كانوا يردون بالسؤال عما يعنيه مُصطلح “الخُلفاء الراشدين” اساساً!!.

كان واضحاً أن هؤلاء المُستجوبين كانوا ينتمون إلى مُختلف طبقات المُجتمع الكُردي، بالذات إلى الطبقية الوسطى، وحيث من هيئاتهم وأماكن عملهم كان يظهر جلياً بأنهم من الذي حصلوا على تعليمٍ مدرسي، وحتى جامعي، معقول. كما أن أغلبية مُطلقة مُنهم كانت تُعبر عن التزامها الديني، بالذات من حيث الإيمان والالتزام بأداء جميع العبادات.

كانت تلك الدقائق القليلة من ذلك البرنامج التلفزيوني تقول شيئاً بالغ العُمق عن علاقة البُنى الاجتماعية الكُردية الأعمق بالمسألة الدينية: ما زال المُجتمع الكُردي يحيى إسلاماً اجتماعياً تقليدياً للغاية. فالطبقات الأوسع من الكُرد تُظهر التزاماً واضحاً بحيزين من الإسلام كدين، يتعلق الأول بالإيمان كفضاء روحي ووجداني، الحيز الآخر يتعلق بالالتزام بالعبادات والمقولات الدينية العُليا الكُبرى، التي تُحدد النواهي والشرائع الرئيسية.

مقابل ذلك، فأن المُجتمع الكُردي يُظهر لا مبالاة عميقة بقضيتين جوهريتين تبدو وكأنها من صميم المسألة الدينية عادة. فالكُرد غير مبالين بالسردية التاريخية الإسلامية، المتعلقة بسيل المُجريات والحوادث والقضايا الكُبرى التي تراكمت في مراحل مختلفة من تاريخ الجماعة المُسلمة في مرحلة ما بعد انتهاء عصر النبوة. فهي تبدو مفصومة عن النواة الصلبة التي تعتقد الطبقات الأوسع من المُجتمع الكُردي بأنها “الدين”، الذي انتهى بنهاية عُمر النبي، وإن كُل الذي حدث وجرى فيما بعد أنما هي أشياء خارج الدين، بالذات خارج المُقدس منه، النبوة.

المسألة الأخرى تتعلق بالهوية الكُلية للجماعة الكُردية ودور ومساحة الدين في هذه الهوية، خصوصاً في بُعدها الطائفي. فالدين بالنسبة لهؤلاء الأكراد إنما يبدو وكأنه فضاء روحي ووجداني مفارق إلى حدٍ بعيد للأشياء والقضايا المتعلقة بهويات البشر وصراعاتهم البينية التفصيلية.

ثمة العشرات من الأسباب التي تقف وراء هذا النمط الغالب، الذي يُمكن تسميته ب”الاسلام الاجتماعي الكُردي”، والذي لا يعني بالضرورة خلو المُجتمع الكُردي من أفراد، أو حتى طبقات ونسب سُكانية صغيرة من المُجتمع تملك وعياً دينياً مُختلفاً عن نموذج التدين الاجتماعي الغالب. لكن الإسلام الاجتماعي الكُردي حافظ على خاصيته المتمايزة عن نظيرتها العربية والتُركية والفارسية، لسببين رئيسيين:

فقد بقيت النزعة القومية الكُردية محافظة على وهجها طوال القرن العشرين. هذه النزعة التي كانت مرتبطة بالضرورة بالخطابات والرؤى التحررية، اليسارية منها غالباً، والمناهضة لل”القيم” وشكل العلاقات التقليدية، بالذات فيما يرتبط بدور طبقة رجال الدين ومؤسساتهم بالمُجتمع. والنزعة القومية الكُردية في هذا المقام كانت مُختلفة عن النزعات العربية والفارسية والتُركية، ففي حين كانت هذه الأخيرة كُلها مُناهضة، مُنذ نشأتها، للدول الاوربية التي استعمرت بُلدانها، فأن النزعة القومية الكُردية كانت مُناهضة لهذه القوميات وتجاربها القومية، الأخوة في الدين.

فحتى أكثر الأحزاب القومية الكُردية محافظة ظلت تُراكم حساسية هائلة اتجاه ما تستخدمه وتستغله التجارب القومية الأخرى في مُناهضة الكُرد وتطلعاتهم القومية.

السبب الآخر يتعلق بالعالم العميق لتاريخ الكُرد السياسي. فالكُرد لم يكن لهم عبر تاريخهم الطويل أية تجربة إمبراطورية، على عكس تجارب القوميات الأخرى المُحيطة بهم. فالعرب والفرس والأتراك خاضوا تلك التجارب، والتي كانت بالضرورة مُحملة بالإسلام كفضاء لهوية تلك الكيانات التي اسستها تلك القوميات. حيث تحول الإسلام عبر تلك الديناميكية من دين ومجال روحي ووجداني إلى هوية سياسية تاريخية متمركزة، وحتى مُحتلة، للذاكرة الجمعية والسردية التاريخية لتلك الجماعات التي كانت إمبراطورية في يوم ما.

ليس ثمة “إسلام” ما مثالي، فالإسلام مثل غيره من الأديان، له اعداد واشكال من التماثل والتمظهر التي لا تنتهي قط، لا يملك أي منها سُلطة وحق احتكار تمثيله لل”الإسلام الحق”. لكن الإسلام الاجتماعي، أكثر قُدرة وحيوية ورحابة من غيره من الأشكال الدينية، ليُشكل هوية روحية ووجدانية لتبعته.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...