نحن والمونديال

لم يستطع المنتخب السوري التأهل لنهائيات كأس العالم لكرة القدم عبر تاريخه. مرتان فقط أوشك المنتخب على فعل ذلك.

 إحداهما، في نهائيات المكسيك عام 1986عندما وصل لمبارتين فاصلتين مع المنتخب العراقي، حيث تعادلا سلبًا ذهابًا في دمشق، وفاز المنتخب العراقي إيابًا بثلاثة أهداف مقابل هدف وحيد لوليد أبو السل، في مدينة الطائف السعودية، حيث كان العراق ممنوعًا من اللعب في أرضه بسبب الحرب العراقية – الإيرانية حينذاك، وتأهل العراق تاركًا خيبة أمل مريرة لدى الجمهور السوري. وكنا قد أمضينا أسبوعًا قبل المباراة نخرج من المدرسة ونحن نضرب على دفاترنا وكتبنا هاتفين: “عالمكسيك ياسوريا عالمكسيك!”.

والثانية، كانت في تصفيات المونديال الحالي، وسط انقسام حاد في  الشارع السوري، بين تشجيع المنتخب واعتباره يمثل كل السوريين، وبين التشجيع ضده كونه منتخب بشار الأسد، وأي إنجاز له سيجيّر لمصلحة النظام!

 غير أن عدم مشاركة المنتخب السوري في المونديالات لم تؤثر في مقدار تفاعل الشعب السوري العاطفي مع فعاليات الحدث العالمي! فكان المونديال مناسبة يشارك فيها السوريون العالم بأكمله الحماسة والاحتفالات المواكبة للمباريات.

وإذ يصعب رصد سمات خاصة محددة لعلاقة السوريين بالمونديال، فهم بطبيعة الحال يشجعون منتخبات مختلفة، حالهم كحال نظرائهم في أغلب دول العالم من خارج الصف الأول للمنتخبات المرشحة للمنافسة، كما أن علاقتهم بكرة القدم لها طابع فرداني بطبيعة الحال، لكن يمكن رغم ذلك، الحديث عن مشاعر جماعية سورية رافقت كل مونديال!

نبدأ من مونديال إيطاليا 1982 الذي شهد نقل التلفزيون السوري للنهائيات، وكان للبرازيل ونجومها زيكو وسقراط وفالكاو وإيدير وجونيور، الحصة الأكبر من تشجيع السوريين، هذا التشجيع الذي كان مترافقًا مع صرخة المعلّق الإسباني بعد كل هدف برازيلي: “برازيلو زيلو زيلو”، والتي تحولت بدورها الى لازمة يهتفها الصبية أثناء لعب الكرة في الأحياء، ولكن البرازيل خرجت من الدور الثاني بعد خسارتها من إيطاليا 3-2 في مباراة لم يتمكن بعض السوريين من متابعتها، بسبب جنسية حكم المباراة الإسرائيلي، والتي تسببت بامتناع التلفزيون السوري عن بثها! كما تعلق السوريون بحارس المرمى السوفييتي “رينات داساييف”، وقد وضع تلامذة صورته بقميصه الأصفر، مدموغة بشعار الإتحاد السوفييتي، على دفاتر المدرسة.

وقد شهد مونديال ايطاليا أيضًا، حالة من التعاطف الشعبي السوري مع منتخب الجزائر، فرغم مشاركة منتخبين عربيين هما الجزائر والكويت، الا أن الأول كان قد أسر قلوب المتابعين، لاسيما بعد فوزه التاريخي على ألمانيا الغربية القوية، وبسبب ما شاع حول وجود اتفاق بين المنتخبين الألماني والنمساوي، أدى الى فوز المنتخب الألماني بهدف وحيد، كان كافيًا لتأهل كلا الفريقين على حساب منتخب الجزائر. أما المنتخب الكويتي، ورغم أدائه المقبول حينها، إلا أنه كان عرضة للسخرية نتيجة نزول الشيخ فهد الأحمد الى الملعب، وتهديده بانسحاب الفريق بسبب هدف للمنتخب الفرنسي، وهو ما دفع بالحكم الى إلغاء الهدف!

مونديال المكسيك 1986 كان من أجمل النهائيات التي شهدها التاريخ، والتي تابعها السوريون على الشرفات، بعد منتصف الليل في صيفهم الحار. وقد التقطت جماهير النوادي كغيرها عبر العالم، ظاهرة الأمواج المكسكية على المدرجات، وطبقتها في تشجيع فرقها المحلية في الدوري السوري لاحقًا. كما سرت نظرية المؤامرة في تفسير خسارة الإتحاد السوفييتي أمام بلجيكا في الدور الثاني وتحميل الحكم المسؤولية، فيما غُفر لمارادونا تسجيله هدفًا بيده على إنكلترا.  كان مونديال مارادونا بإمتياز، وربح وقتها فريقه الكأس، وأصبح  مذاك الحين تشجيع الأرجنتين حاضرًا بقوة في الشارع السوري. وشجع السوريون كذلك المنتخبات العربية، كالمغرب التي تأهل منتخبها للدور الثاني، بينما خرجت الجزائر والعراق من الدور الأول. ومرة أخرى يضرب التلفزيون السوري ضربته، فينقل جميع مباريات البطولة عدا مباريات العراق للأسباب السياسية المعروفة! وقيل أن السبب خشية المسؤولين السوريين من رؤية صور صدام حسين على مدرجات الجمهور العراقي تعرض على الشاشة السورية!

مونديال إيطاليا 1990 سجل ظاهرة تشجيع منتخب ألمانيا كمنتخب قوي متكامل أحرز اللقب في النهاية، وبقيت جماهيريته تتنامى في سوريا منذ حينها، أما الظاهرة الأخرى فهي حكاية تشجيع السوريات لمنتخب إيطاليا أسوة بسواهن من صبايا العالم، ومارافق ذلك من أحاديث عن وسامة اللاعبين الإيطاليين، وخاصة مالديني وباجيو، لكن قلوب السوريين عموماً كانت متعلقة بالمنتخب المصري، الذي أطلقت النار في اللاذقية ابتهاجًا بتسجيل لاعبه مجدي عبد الغني هدف بلاده الوحيد في هذا المونديال على هولندا، بينما كان التفاعل مع منتخب الإمارات فاترًا، رغم تسجيله لهدفين. وقد خرج كلا المنتخبين من الدور الأول.

مونديال الولايات المتحدة الأميركية 1994 شهد أخيراً تتويج منتخب البرازيل، الذي أثلج صدور عشاقه السوريين، وشهد أيضًا تألق المنتخب السعودي، الذي تصدر مجموعته التي حل بها المغرب آخر الترتيب، لتتأهل السعودية للدور الثاني وتخرج أمام السويد.

 وقد شارك الحكم الدولي السوري جمال الشريف للمرة الثالثة على التوالي في تحكيم مباريات الكأس، وشهدت بلغاريا تسجيل حالات عنف ضد طلاب سوريين، على خلفية إدارته لمباراة منتخبها مع المكسيك!

مونديال فرنسا 1998 كان كرنفالًا حقيقيًا للسوريين، فلأول مرة يرفع السوريون أعلام منتخباتهم المفضلة على شرفات بيوتهم، فصارت أحياء سوريا غابة من أعلام البرازيل والأرجنتين وألمانيا وإيطاليا وفرنسا.. والعلم الإيراني أيضًا هذه المرة! فرغم حضور ثلاث منتخبات عربية هي السعودية وتونس والمغرب، إلا أن المباراة الحدث كانت بين إيران والولايات المتحدة الأميركية في الدور الأول، والتي فازت فيها إيران 2-1 ، وكان من المحرمات التشجيع العلني للأميركيين ضد إيران يومها. أحرزت فرنسا اللقب بثلاثية نظيفة على البرازيل في النهائي، وكان لزين الدين زيدان دور بارز في تشجيع السوريون للمنتخب الفرنسي.

مونديال 2002 كوريا واليابان، الذي شهد عودة البرازيل للتتويج، كان مخيبًا للعرب بعد خروج السعودية وتونس من الدور الأول، وبنتائج مذلة منها ثمانية نظيفة للألمان في المرمى السعودي، وفي المقابل شهد تألقًا للمنتخب التركي الذي حلّ ثالثًا، لترفع أعلام تركيا على شرفات بعض السوريين بعدما كانت من المحظورات الثقيلة.

مونديال 2006 في ألمانيا كان بداية مشاكل السوريين مع حقوق النقل التلفزيوني وتخبطهم حول ايجاد طريقة لمشاهدة النهائيات، وهو ما سيتكرر تباعًا في الكؤوس اللاحقة؛ فحصرية النقل والدفع مقابل ذلك، كان ظاهرة جديدة تحايل عليها السوريون بأجهزة فك التشفير ومتابعة المباريات على أقمار أوروبية وتركية. اللقب ذهب لإيطاليا، وكانت نطحة زيدان لماتيراتزي وطرده بعدها في المباراة النهائية، مجال تندر واسع لدى الشارع السوري.

مونديال 2010 جنوب افريقيا، شهد فوز إسبانيا للمرة الأولى باللقب على حساب هولندا بالنهائي. كانت المشاركة العربية هزيلة ومحصورة بالجزائر التي خرجت من الدور الأول، أما ظواهر المونديال فكانت البوق المزعج على المدرجات المسمى “فوفوزيلا”، والأخطبوط بول الذي نجح في توقع نتائج المباريات عبر اختيار أحد علمي الفريقين المتنافسين!

مونديال 2014 في البرازيل كان الكأس الأول بعد الثورة السورية وما تلاها، لم يتساهل النظام مع رفع أعلام من اعتبرها دول معادية، وسمح بأعلام الحلفاء فقط، وكان تشجيع سوريو الثورة ضد إيران صاخبًا ومعاكسًا تمامًا لأيام مونديال فرنسا. وانتشرت على السوشال ميديا صور لمقاتلين من الجيشين النظامي والحر، يتابعون المباريات كاستراحة بين جولات القتال، بينما منعت داعش في مناطق سيطرتها أي فعاليات خاصة بالحدث، وحُرم النازحون السوريون في معظمهم من إمكانية المشاهدة في خيمهم، وفي الداخل أصيب السوريين بلعنة انقطاع الكهرباء، بينما حلت مشكلة البطاقة الذكية المكلفة ببث المباريات على محطة أرضية سورية من دون شراء الحقوق! أما لقب البطولة فذهب لألمانيا وكان فوزها 7-1 على البرازيل في نصف النهائي حدثًا لاينسى في تاريخ المونديالات.

واليوم ينتظر السوريون مونديال 2018 روسيا وسط دعوات البعض لمقاطعته وترقب البعض الأخر الحار لأحداثه.

نبذة عن الكاتب

كنان قوجة

كاتب سوري مقيم في ألمانيا

Loading Facebook Comments ...