عايمد المقدس

بعد موت عارف الجيغاني بسنة تقريبًا، قال مناف -المعروف باسم مايبو- لصديق عمره سالم: “لا أحد يتحكم بهذه الجزيرة بعد موت عارف، لا رجل قوي في الجزيرة سوى الحاكم، وهو عجوز أخرق لا يعرف أن زوجته الشابة مارست الجنس مع نصف شبّان الجزيرة، والنصف الآخر ينتظر أن يمرّغ وجهه بفرجها، ربما حان دوري لأكون رجل هذه الجزيرة الأول”.

ضحك سالم من أحلام صديقه وقال له بسخرية: “ستكون الرجل الأول في تمريغ الوجه بسوائل الفرج”. قال مايبو الذي لمعت عيناه فجأة: “يا غبي استمع إليّ، لقد حدث الأمر مئات المرات من قبل، مكانٌ قصيٌ عن العالم، نحكي لغتنا الخاصة الشبيهة باللغات المجاورة لكنها خاصة بنا، فراغ في السلطة الحاكمة، ناس خائفة ومتململة من وضعها الحالي، أضف إلى ذلك بعض القصص الخرافيّة وبعض الذكاء وبعض القسوة ومن ثمّ بووووم أنت القوي القادر، هل فهمت الآن؟”. أجاب سالم بهز رأسه نافيًا.

سادت لحظة صمت قصيرة، بعدها قال مايبو: “لن أكتفي بحكم هذه الجزيرة، سأحكم كامل الأرخبيل، وربما العالم كلّه”. قال سالم المبهور بحماس صديقه: “لا أعرف ماذا تقول وماذا ستفعل وما هي أحلامك، لكنّني صديقك وسأكون عونك في كلّ ما تريد”. ابتسم مايبو وقال: “هذا كلّ ما أريده منك يا صديقي، هذا كلّ ما أريده”.

بعد أسبوعين تمامًا تقابلا على الصخرة الكبيرة المُطلة على بحر الثيمافا، كان مايبو يمتلأ حماسًا، وسالم ينتظر بلهفة الأخبار التي في جعبة صديقه. قال مايبو بعد أن نظر حوله وتأكد من عدم وجود أشخاص بالقرب منهم: “اسمع يا سالم إليك خطتي، سأختبئ في البيت لمدة أسبوعين وأنت ستشيع في الجزيرة بأنّني في البحر على قارب صغير أتأمل الكون، سيساعدك في هذا عادل، الذي سينضم إلينا ثأرًا لمقتل أخيه وكذلك سنتضم إلينا حبيبتي سامينا، سوف يساعدونك في نشر الخبر وحين أظهر سأقول بأنّني أمثل طائفة جديدة تؤمن بالرب عايمد الذي يسكن في السماء فوق هذا الحجر تمامًا. وهذا الحجر سيكون مزارنا المقدس. سنسمي طائفتنا طائفة الحالوما ومن لا ينضم إلينا ويؤمن بالرب عايمد ويصدّق بأنّني رسول هذا الرب إلى هذا الشعب المختار سيعاقب بعد موته بأن تبقى روحه غارقة في بحر الثيمافا، ومن يؤمن ويصبح حالوميًا سيعطى بعد الموت حياة جديدة فيها الكثير من السعادة والمال والجنس”. قاطعه سالم سائلًا: “ومن سيصدقنا يا مايبو”. ضحك مايبو بتحفظ ثم قال بعد فترة صمت قصيرة: “الناس أغبياء يا صديقي، سيصدقنا في البداية بعضهم ومن ثمّ حين نصبح أكثر عددًا وأقوى عدّة سيصدقوننا بفعل القوة أو بفعل تقليد الأكثرية”.

في السنة الأولى بعد إشاعة الخبر آمن بمايبو ما يقارب ربع سكان الجزيرة وأصبحوا قوة لا يستهان بها. لم يقبل الحاكم بهذه القوة المنافسة له على السلطة فأعلن شنّ الحرب على هذه المجموعة. دامت الحرب ثلاث سنوات بين الطرفين، مات كثيرٌ من هنا وكثيرٌ من هناك، وانضم بعض الناس إلى المجموعة الجديدة وغادرها بعض الناس إلا أن عددها كبر يومًا بعد يوم، فالناس يخافون حياة العذاب بعد الموت، وفي نهاية الحرب قَتَلَ مايبو الحاكم عن طريق دسّ السُّم في طعامه بمساعدة الطبّاخ الذي انضم إلى الحالوميين سرًا. وهكذا أصبح مايبو حاكم الجزيرة الأول، لا ينازعه على سلطانه أحد.

مثلما كانت الخطة منذ البداية، قرر مايبو التوسع في سلطته بعد أن استقر له الأمر في جزيرته، وهكذا بدأ بمهاجمة سفن الصيد التابعة للجزر القريبة وبفعل القوة سيطر على الجزر الصغيرة ،وخلال سنين قليلة استطاع السيطرة على الأرخبيل كلّه، لكنّه لم يفرح بذلك كثيرًا، فقد مات مايبو بعد سيطرته على الأرخبيل بأربعين يوم.

قرر أتباعه الاستمرار بمخطط السيطرة على العالم ناشرين تعاليم مايبو وأقواله التي كُتبت في كتاب سُمي بكتاب الحالوما المُقدس. هكذا كبرت هذه الطائفة وانتشر أتباعها في زوايا العالم الأربع يدعون الناس بكلّ الطرق للإيمان بالإله عايمد المقدس الواحد الأحد، وهكذا أصبحت الحالوما الطائفة الرسميّة لدول كثيرة.

بعد مئتي سنة من بدء هذه الطائفة بدأ الماء العذب بالانحسار من على كوكب الأرض، لم يبقَ ماء للشرب، جفت البحيرات وتوقف تدفق الأنهار. مات مئات الآلاف عطشًا والملايين ماتوا بسبب شربهم المياه الملوثة غير الصالحة للشرب. خلال هذه الفترة الزمنيّة من انعدام الحياة سيطر مجموعة من البشر على مراكز المياه العذبة. هؤلاء كانوا أقوى الناس في ذلك الزمان وكانوا من عبدة الإله عايمد.

كنوع من المقاومة الشعبية أُنشأ عدد من الشباب مجموعة سُميت لاحقًا بمجموعة الماء للجميع. لم يلتفت الحكّام لأمرهم أول الأمر، لكن حين كبرت المجموعة وأصبحت تستقطب كلّ يوم أشخاص يؤمنون بأحقيّة الماء للجميع أصدر المجمع العام لدين الحالوما أمرًا برجم المنضوين تحت جناح هذه المجموعة حتى الموت بحجة كفرهم بالإله عايمد. لقد قالوا في بيانهم الأول أنّ انحسار المياه ما هو إلا اختبار من عايمد ليعرف من يؤمن به حقًا ومن يكذب كي يحصل على امتيازات المياه الصالحة للشرب وأن من يخالف قدر عايمد سيعاقب رجمًا حتى الموت، ولا إله إلا عايمد جنته في السماء وعذابه في قاع بحر الثيمافا المقدس.

نبذة عن الكاتب

دلير يوسف

‏ كاتب ومخرج من سورية، مقيم حالياً في العاصمة الألمانية برلين

Loading Facebook Comments ...