عار كُتاب الدراما السورية

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

يتلقى ملايينُ السوريين والعرب هذا العام أيضاً، عبر ما يُشاهدونه من مُسلسلات درامية سورية، جُرعة مُركزة أُخرى من القراءات والتفسيرات غير العادلة تماماً عما جرى ويجري في بِلادهم. غير عادلة بحق قضيتهم التي تشكل الفعل الوجودي الجوهري، ورُبما الوحيد، لمعنى حياتهم.

فكُل ما تقوله هذهِ الدراما عن الأحوال السورية المُريعة يُمكن اختصاره ببعض المقولات المُبسطة، التي لا تعوزها السذاجة والأسطورية والسُلطوية في الطرح: نحنُ السوريون كُنا شعباً في غاية السعادة والاندماج والسلام الاجتماعي، لكن مؤامرة كُبرى حيّكت ضد بلادنا، لأنها بِلاد الصمود والتصدي، وكُل ما جرى أنما نتاج الذين كانوا يكرهون ذلك التعايش السوري العظيم، فدفعوا الجماعات الإرهابية العابرة للحدود، لتحطيم وحدتنا الوطنية وحياتنا الرغيدة، التي لم يكن بها إلا بعض المنغصات التفصيلية، التي كانت جزء عادياً وطبيعياً، تعاني منه كُل الدول والمُجتمعات عادة، والتي يُمكن تصحيحها عبر بعض الإصلاحات الإدارية والاقتصادية.

إذ ثمة فيض من غض النظر عن الجرائم الفظيعة التي نفذها النِظام السوري وحُلفاءه، الخارجيين والداخليين على حدٍ سواء، التاريخية والراهنة، من احتكار وهيمنة واستبداد مُطلق قبل الثورة، كانت تُمرغ كرامة السوريين بالوحل كُل صباح، وجرائمه الفظيعة فيما بعد. مُقابل تحميل المعارضة والقوى الثائرة المسؤولية الكاملة عما وصلت إليه الأحوال السورية.

تستغل هذه الدراما الحكايات الإنسانية والأدوات البصرية والحبكات المُحكمة والمؤثرات الموسيقية والفنية لترويج تلك الشحنة من المقولات، التي لا تقل فظاعة عن عشرات الآلاف من البراميل التي اُسقطت على الأبرياء السوريين.

ثمة ثلاثة أطراف رئيسية يشكلون حلقة مُغلقة من الفاعلين الذين يتحملون مسؤولية هذا الفعل “الآثم”، الذي يحوّر الحقائق ويستميت في تبرأة المُتسببين الحقيقيين بالمأساة السورية.

من طرف ثمة طبقة من رجال الأعمال السوريين الذين حولوا جزء من رساميلهم إلى الانتاج الفني التلفزيوني، حيث شكل ذلك أداة لهؤلاء لتمتين أواصر علاقتهم مع البُنية الصلبة للنِظام السوري. من جهة أخرى ثمة طبقة الفنانين السوريين المنخرطين في الانتاج الدرامي، من ممثلين وموسيقيين ومصممين، وما إلى ذلك. لكن فوق ذلك، ثمة عدد من كُتاب الدراما، من الذين يُشرفون ويُنتجون أخطر وأدق مراحل هذه الصناعة الترويجية الضخمة.

يُمكن تقديم الكثير من التفسيرات لسلوكيات الطرفين الأولين. فرجال الأعمال عادة ما يكونون ذوي ولاء مُطلق لوشائج علاقاتهم مع مراكز القوة التي تحفظ مصالحهم المالية وتؤمن مظلة لتنمية أعمالهم في مُختلف المجالات. فرجال الأعمال غالباً ما لا يعتدون بأي اعتبار للقيم الأخلاقية والخيارات الوجدانية، وما إلى ذلك.

أما طبقة الفنانين من الممثلين والمُصممين والموسيقيين، فأن أغلبية واضحة منهم تجمع الجهل الثقافي والمعرفي المكين بأحوال البلاد، إلى الكثير الكثير من العدمية الوجدانية والروحية، جراء خضوعهم لإغراءات عالم الشُهرة والانبهار والحضور المكثف في وسائل الإعلام والمتن العام. حضور وتحقيق طاغٍ للذات، يحوّل بينهم وبين قُدرتهم على تنمية وجدانهم الروحي وضميرهم الأخلاقي وأفاقهم المعرفي. كانت حالة الممثل السوري أويس مخللاتي، الذي عبر في أحدى مقابلاته التلفزيونية عن اعجابه وتقديره الشديد لشخص مثل هتلر، فقد كان يجمع ذروة العدمية الوجدانية بمثيلاتها من الجهل المعرفي والثقافي.

في المُحصلة، يبقى كُتاب الدراما السوريين الطرف الأكثر تحملاً لتبعات هذهِ الممارسة المُريعة. فهؤلاء الذين من المُفترض أنهم ينتمون إلى طبقة “المُثقفين المعرفيين”، الذين يجمعون إلى جانب التحصيل المعرفي والحساسية الثقافية الكثير من الولاء لقيم العدالة والنزعات الروحانية والخيارات الأخلاقية، وأن يتحلوا فوق ذلك بميزات الشجاعة والرؤية والبصيرة لحاضر ومُستقبل مُجتمعاتهم.

لكن كُتاب الدراما السويين هؤلاء، أو أغلبيتهم المُطلقة على اقل تقدير، يظهرون وكأنهم مُنساقون بوعي تام لتحقيق وانجاز ما هو عكس كُل ذلك تماماً.

إذ ليس في الدراما السورية الراهنة ما يدل على أن كُتابها يعرفون عن مُجتمعاتنا وتراكيبها المُعقدة أكثر مما يعرفه “البُسطاء” من عبارات وأفكارٍ مُسطحة ومعلبة. كذلك لا يبالون بأية حساسية ثقافية ذات مضمون، تاريخية أو مُجتمعية أو طبقية، إذ لا أثر لأية نزعة ذاتية لهؤلاء فيما يُنتجونه، بل يخضعون تماماً لشروط السوق ومركز القوة. بل فوق ذلك يحورون ذواتهم وخياراتهم وآرائهم ومواقفهم الحياتية والثقافية لتكون مُطابقة لشروط وخيارات ورؤية مركز القوة السوري الصلب، النِظام السوري، بالرُغم مما يفعله ذلك من هتك تام لكُل قيمة أخلاقية ووجدانية، وحيث هذا الأمر بالذات هو مصدر كُل عار.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...