كل الشكر موصول لممثلي “الواق واق” على مساعدتهم لنا

– “قلي شو عندك انتصارات”.

– “أعطيك عشر انتصارات مو بس واحد”.

– “لا بدي واحد بس”.

  صمت …

ما سبق مشهد من أحد الأعمال الدرامية السورية التي تعرض في شهر رمضان هذا العام، حيث يدور الحوار بين ضابط من الجيش السوري فار من قطعته إلى الذي سيعطيه حقه في اللجوء، وبين الفينة والأخرى ينظر إلى السماء، يضرب تحية استعداد للأقمار الاصطناعية، حيث يظن أن وكالة الأستخبارات الأمريكية تراقبه وستساعده بنيل اللجوء.

مشهد من سلسلة مشاهد يسردها الكاتب السوري ممدوح حمادة من خلال عمل درامي تلفزيوني يحمل اسم “الواق الواق”، من إخراج الليث حجو وبمشاركة مجموعة من الممثلين السوريين.

العمل الذي جرى تصويره في جزيرة تونسية، يسلط الضوء بقالب كوميديا سوداء على واقع لجوء المواطن السوري وتلاعب السفن به واضطراره للسفر بطرق غير شرعية إلى إي دولة كانت، أو بالأحرى إلى إي شاطئ من شواطئ الولايات المتحدة الامريكية. وبالإمكان متابعة حلقاته عبر  قناة شركة إيمار للإنتاج الفني على موقع يوتيوب، كما تبثه عدة قنوات عربية ولم تنشره حتى اللحظة أي قناة سوريّة تابعة للنظام.

قد لا نسمع في المسلسل عن جرائم النظام بحق المواطن السوري، بما يشمل الفساد والظلم والانتهاكات، ولكن بالإمكان ملاحظة ما عاناه السوري من أول لقطة، إذ يغرق جميع من على متن السفينة من سوريين، حيث يطلب القبطان من معاونه أن يحضر البلم الخاص لهم ولا يكترث لأمر الركاب فقد غرقت الكثير من السفن قبلها وعليهم النجاة لوحدهم فقط.

بعد ذلك نرى لقطات متتابعة لشرائح من الغرقى، إذ غرقت المحامية والطبيبة والشابة التي فرت من انقطاع التيار الكهربائي المستمر وغلاء الوقود، والتاجر الذي يستغل ما يعانيه السوريون ويأخذ حق مواطن سوري أخر باللجوء وفرص الحياة في أي دولة كانت قائلاً لمن يسأله: “إن خلصت الحرب محدا يقبلنا كلاجئين خلينا نستغل الفرصة”.

كذلك نرى المطربة الحالمة بمستقبل فني لها إذ لم تجد موطئ قدم لها في بلد “المحسوبيات”، وضابطًا يرمي برتبته في البحر ويضع لنفسه رتبة تناسب مقامه شاكراً الغرب على نعمة الترفيع العسكري له، فيما يعلم السوري أن الضابط إن لم يعش وفقًا لخوارزمية الفساد العسكري الأسدي، سيظل برتبة محددة، أيًّا كانت خبرته.

نرى أيضًا مثققّا يتقن سبع لغات.. “إجت الفرصة لاقول قصيدة الي ما أقدر أقولها من ٤٠ سنة”، أي منذ تولى حافظ الأسد زمام السلطة، وقيّد الثقافة والفن وجعلهما تحت سطوته. وبعد أن انتهى من قصيدته، خشي على نفسه من وشاية البحر عليه واعتقاله، وما تدل مثل هذه الومضة الدرامية إلّا إلى خشية المواطن السوري من السجن وسرد القصائد حتى خارج بلده.

أيضاً توجد شخصيتان مربوطتان إلى بعضهما البعض بقيد حديدي، ضابط ورجل متطرف، كلاهما يتحدثان اللهجة نفسها، ويحاول كليهما انتحال صفة الضابط وإلصاق صفة المتطرف بالآخر، وهو ما يعكس صورة التزاوج بين المتطرفين وضباط الاستخبارات السورية، فلا فرق جوهري بينهما، الأول يقصف السوريين بالطائرات والأخر يفجر سياراته بهم.

كما يعالج العمل بعض الأمراض المجتمعية المستشرية دون أفق لحلّها، مما دفع المواطنين بالمخاطرة بأنفسهم علّهم يجدون مساحة جغرافية آمنة للعيش بحريتهم، فلا يوجد بالدستور السوري قرار يسمح بالزواج العابر للأديان، وليس ثمة حقوق كاملة للمرأة، فينعكس ذلك تطرفًا حادًا في شخصية المحامية التي ترى في كل رجل على أنه “كلب”، لترد عليها كل من الدكتورة والشابة المرتبطة بزوج متزمت: “مافي ذكر ومافي انثى في غلط وفي صح وعليه منحدد مع مين الصح وعلى مين الغلط”.

“هدول الي عم تقولي عنون كلاب هنن أخي وأبي وخطيبي وأبوكي وأخوكي”.

لست بصدد نقد العمل من الناحية الإخراجية، وخاصة ما يتعلق بإعادة إحياء شخصية درامية أضحكت ورسمت البسمة على شفاه السوريين في مسلسلات أخرى للكاتب نفسه، فشخصية القبطان مستمدة من شخصية جودة في مسلسل ضيعة ضايعة، وشخصية الضابط من مسلسل الخربة، وثمة شخصيات أخرى تتقاطع مع أعمال درامية للكاتب والمخرج لتجتمع اجتمعت في عمل واحد وبأزياء مختلفة.

ولا يتسع المجال هنا كذلك للاستفسار بالتفصيل عمّا إذا كان كل من باسم ياخور وجرجس جبارة وجمال العلي، فاقهين ما يقولونه عبر هذا المسلسل، وهم من نصّبوا أنفسهم محامي دفاع عن نظام الأسد، هل يعرفون أنهم بأدوارهم هذه كمن يقال فيه: صدق وهو كذوب!

كيف لباسم ياخور أن يطلب من الضابط في العمل أن يخبره عن أي انتصار حققه في حياته، وفي اليوم ذاته الذي عرضت به الحلقة، يا سبحان الله، ينشر ياخور صورة له مع الإعلامي الحربي في جيش النظام، والذي كان يشمت بموت جيرانه السوريين، وسيم عيسى، وكلاهما يرفع شارة النصر. هل يعتبر دوره في “الواق واق” تمثيليًا فقط؟ جاعلًا من نفسه ببغاءًا دراميًا لا يعي ما يقول، أم يريد أن يقدم لنا خدمة في حال سألنا غريب: لما شاركتم في الثورة؟!

لنقدم للسائل مثل هذه الأعمال. أظن أنها كافية لتجاوب عنا، لماذا خرجنا ثورة ضد المنظومة الأسدية.

ما أود التركيز عليه أن التلقين السياسي المباشر من قبل بعض الكتاب قد لا يجد مساحة لخلق رأي عام ضد نظام الحكم، ويدفع الشباب لتنظيم مظاهرات تطالب بها بالإصلاح أو إسقاط النظام بأكمله، فغالبيتهم يكتبون بنبرة الآباء العبوسين للمجتمع السوري، وربما هم أنفسهم لا يقرّون ما يكتبون.

في تقديري الشخصي، فتحت أعمال درامية كلوحات بقعة ضوء خلايا التفكير النقدي تجاه السلطة قبل الثورة، ولوحات مسلسلات مرايا وضيعة ضايعة والخربة انتقدت النظام وصوّرت جوانب منه. مثل هذه الأعمال كان لها دور بنسبة ما بخلق فضاء الثورة في بلد تسيطر عليه ماكينة إعلام النظام وحزبه القائد.

نبذة عن الكاتب

خليفة الخضر

مواطن صحفي مقيم في الشمال السوري

Loading Facebook Comments ...