آخ يا خيتا

من سوء حظي أنني لم أزر كل سوريا، ثمة مدن سورية لم أعرفها ولم أزرها، لم أزر دير الزور مثلًا، ولا القامشلي ولا الحسكة ولا عفرين، ولم أذهب يومًا إلى الميادين، لم أرَ جسر الشغور وإدلب، ولم أعرف ريف حلب ومعظم ريف حمص، مثلي غالبية السوريين، كنا نؤجل رؤية بلادنا باعتبارها متاحة ومتوفرة، ولابد أن يسمح لنا الوقت برؤيتها. من كان يخطر له أن يحدث ما حدث وأن تصبح رؤية سوريا كلها حلمًا بعيد المنال؟! لم أزر الكثير من سوريا، ومع ذلك، ومع كل حجر تهدم في المدن والبلدات والقرى السورية كنت أشعر أن جزءًا من حياتي قد تدمّر، وأن ثمة هوة تتسع في روحي وأنا أرى هذا الوطن الذي أنتمي لكل حبة تراب فيه يُباد ويفنى، لم أزر الكثير من البلدات والمدن التي تدمرت، لكنني أعرف جيدًا كيف يُسحق القلب مع كل سقف يهبط ليسحق أجساد الآمنين فيه.

غير أن لمخيم اليرموك شأنًا آخر معي! أعرف المخيم جيدًا، أعرف شوارعه وحاراته، أسواق الخضرة فيه، أعرف شارع الثلاثين بكل مافيه، أعرف المركز الثقافي الفلسطيني، أحفظ  عدد الخطوات حين أنزل من سيارة الأجرة وأمشي كي أصل إليه، أسعفني الأصدقاء ذات يوم إلى مستشفى فلسطين، سمعت تكبيرات العيد من جامع فلسطين، أكلت خبزًا ساخنًا من الفرن أول المخيم، لماذا لم يغب شيء من المخيم عن ذاكرتي مع أن تفاصيل كثيرة في أمكنة أخرى قد غابت تمامًا؟

سكنت في مخيم اليرموك فترات متقطعة من حياتي، مثل غالبية أبناء جيلي من الطبقة المتوسطة في سوريا، وقبل سكني هناك كان يسكن أصدقاء كثيرون لي، سوريون وفلسطينيون، هل من فرق؟! كان السوريون فلسطينيين يومًا ما، كان الفلسطينيون سوريين أيضًا، ظهر هذا واضحًا في الثورة، الثورة التي  اشتعلت في المخيم كما اشتعلت في درعا وبانياس وحمص وريف دمشق، لم يكن مخيم اليرموك يشبه أي مكان آخر، ما من مكان في دمشق جمع الخليط الذي كان في المخيم، أتذكر أنني كنت أسمع كل اللهجات السورية وأنا أمشي في شارع لوبية، ويذوب قلبي حين تقول لي بائعة الخضار الفلسطينية: “يمّا”، أو حين يتصل بي صديقي عازف العود الغزاوي ليدعوني إلى السهرة: “ناطرينك خيتا”! مازلت حتى الآن ألتفت بشغف كلما سمعت هذه الألف الطويلة في ألقاب صلة القرابة. لن أعيد هنا ما قيل عن مخيم اليرموك، وكيف كان ملجأ حقيقيًا لليسار والفن والثقافة، كيف كانت عشوائياته تنتظم في يومياتنا هناك، العشوائيات التي كانت الألفة والمودة تزيل عنها قبحها المعماري، يقولون الآن إن مخيم اليرموك، الذي سوّي بالأرض تمامًا وعُفّش ما تبقى فيه من قبل (الجيش السوري العظيم)، قد وضع رامي مخلوف يده عليه، وأن مشاريع معمارية ضخمة سوف تقام هناك، أكاد أتخيل برودة الحياد في المشاريع القادمة، أكاد أسمع نحيب الأسفلت وتراب المقابر، وأرى تفاصيل ذاكرة الناس تائهة وهي تتلوى من القهر.

لا يختلف الدمار والتعفيش والحصار والتهجير، وغض النظر عن سيطرة دخول “داعش” وجبهة النصرة إليه، ثم ترحيلهم معززين مكرمين، والتنكيل بالمدنيين، في مخيم اليرموك عما حصل في الكثير من الأماكن السورية الأخرى، غير أن الفرق أن المخيم فلسطيني، وأن النظام الذي فتك به هو نظام يحتكر القضية الفلسطينية، ومؤيديه من القوميين العرب والفلسيطنيين تحديدًا، يعتبرونه رمزًا للمقاومة والتصدي للمشروع الإسرائيلي، ولطالما كان مخيم اليرموك في نظر الإسرائيليين هو فلسطين أخرى، وجودها يهدد إسرائيل بطريقة ما، ومع ذلك لم تثنِ الوحشية التي تعامل فيها النظام السوري وروسيا مع المخيم مؤيدي النظام الفلسطينيين من استمرار تأييده، بل حتى أن بعضهم وضع على صفحته الشخصية صور دمار المخيم مباركًا بالنصر ومعلنًا أن “طريق القدس يمر من هنا”! أما السوريون المؤيدون الذين طالما شتمونا باعتبارنا عملاء لإسرائيل، فقد أحدثوا قفزة أخرى في موقفهم من المخيم، إذ اعتبر كثر منهم أن دمار المخيم كان يجب أن يحدث منذ زمن، فالفلسطينيون، حسب رأيهم، سبب رئيسي بما حدث في سوريا، ويستحقون (الدعس والمعس)، أما القضية الفلسطينية فقد أعلنوا براءتهم منها، فأصحابها خونة ولا يستحقون التضحية، حسب ما كتبه بعضهم على صفحاتهم على مواقع التواصل.

وليس غائبًا عن أحد أن موقف المؤيدين من كل الأماكن الثائرة هو في نفس السياق، تأييد القتل والتهجير والتدمير، فإن كان الموت، بنظرهم، عقوبة طبيعية لمن اعتبروهم خائنين، وسمّوهم مع أطفالهم بيئات إرهابية وحاضنة للإرهاب، مع أنهم أبناء وطنهم وجيرانهم، فكيف يفسرون ترحيبهم بالدمار، كيف يشعرون وهم يرون أكثر من سبعين بالمائة من وطنهم مدمرًا بالكامل؟! أما من قليل من الحزن أو القهر أو الأسى على هذا الوطن الذي طالما تغنّوا بجماله؟ أم أن على سوريا أن تتدمر كلها، بما فيها مدنهم وقراهم، حتى يشعروا قليلًا بهول الكارثة الحاصلة؟! .

نبذة عن الكاتب

رشا عمران

شاعرة وكاتبة سورية، أصدرت 5 مجموعات شعرية، كما أصدرت أنطولوجيا الشعر السوري من 1980 إلى عام 2008. وتكتب المقال في عدد من المواقع والصحف السورية والعربية.

Loading Facebook Comments ...