مُحتلو سوريا “التافهون”

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

على أقل تقدير، ثمة خمسة دول تحتل أجزاء واسعة من الجُغرافيا السورية، الولايات المُتحدة تحتل منطقة شرق الفرات، تُركيا تحتل الشريط المُمتد من مدينة جرابلس إلى مدينة عفرين غرباً، روسيا وإيران تملكان قواعد عسكرية في مُختلف مناطق البِلاد، وهيمنة سياسية شبه مُطلقة على شؤونه، حزب الله باحتلاله للمناطق المُحيطة بالحدود اللبنانية، هذا إذ لم نضف النِظام السوري نفسه كقوة احتلال فعلية لسوريا.

ما يجمع بين كُل هذه القوى المُحتلة، هو نمط سُلطتها القهرية شبه المُطلقة على السُكان والمناطق السورية الخاضعة لها، وتوافقها فيما بينها على مناطق وحدود وشكل ما تحتله. لكن فوق وقبل كُل ذلك، فأنها تظهر كقوة احتلالٍ مُسطحة وساذجة، مُرتكنة ومُتمركزة حول القوة المحضة. إذا لا تعرض ولا تمنحُ قوى الاحتلال هذه من شيء على المُحتلين السوريين خلا العُنف، إذ ليس في خطابات وسياسيات واستراتيجية المُحتلين تجاه السوريين أية طروح سياسية أو ثقافية أو اقتصادية أو بيروقراطية، أشياء شبيهة بما كان يُقدمه المُحتلون التقليديون للمناطق والجماعات التي كانت تخضع لاحتلالاتهم.

السوريون أنفسهم كانوا قد جربوا شيئاً كثيراً من ذلك قبل ثلاثة أرباع قرن. فبالرُغم من كُل ما يُمكن أن يُقال عن مرحلة الاستعمار الفرنسي في الخِطابات الوطنية والقومية السورية، إلا أن الاستعمار الفرنسي هو الذي وضع الأسس الفعلية لتشكل الدولة السورية المُعاصرة. ليس مادياً فحسب، من خِلال توحيد مُختلف الأقاليم والجُغرافيات السورية، ووضعها للبُنى التأسيسية لمؤسسات الجيش والقضاء والتعليم والبيروقراطية، لكن فرنسا أيضاً هي من خِلقت الفضاء “الروحي” للكيان الذي أصبح فيما بعد سوريا، الرموز المُشتركة والحياة المدنية واحترام قيم الديمقراطية ومنظومة حقوق الإنسان وفصل السُلطات وخلق الأجواء التي افرزت نُخب الحُكم والحياة الثقافية والجامعية والمُجتمعية.

  مُحتلو سوريا الراهنون يشبهون الاحتلال السوري للبنان أكثر من أي شكلٍ آخر للاحتلال. فالنِظام السوري الذي ظل قوة هيمنة مُطلقة على لُبنان لثلاثة عقود، خرج دون أي أثر يُذكر أو يُرى، خلا الجروح التي لا تُضمد في ذاكرة اللبنانيين، من شتائم وإهانات كان يوجهها لهم العناصر الأصغر من قوات النِظام السوري، وصفقات وقمعٍ للحياة المدنية والسياسية كانت تمارسه العناصر الأكبر من النِظام السوري.

الغريب في حالة مُحتلي سوريا أمران مُركبان: فكُل واحد منهم يدعي بأن شرعية احتلاله لجزء من سوريا أنما تتأتى من عملية تحريره للسوريين لمن ُتلة “الوحوش”، الولايات المُتحدة تقول أنها حررت السوريين من داعش، وتُركيا تدعي أنها حررت جزء من السوريين من سُلطة وهيمنة حزب الاتحاد الديمقراطي الكُردي، وروسيا تُمنن السوريين بأنها حمت بِلادهم من العِصابات المُتطرفة، وكذلك إيران وحزب الله والنِظام السوري، لكن جميع هذه القوى المُحتلة، لم تمارس فعلياً إلا ما كانت تسعى تلك القوى المُتطرفة لأن تفعله، وإن بأيادي قوى ومليشيات محلية رديفة لقوى الاحتلال هذه، مُختلفة بشكلٍ نسبي جداً عن القوى والمليشيات التي تدعي هذه الاحتلالات أنها حررت السوريين منهم.

الموضوع الآخر يتعلق بالهوية العُليا لقوى الاحتلال هذه. فهي الدول الأكبر والأكثر نفوذاً في المنطقة والعالم، ليس على مستوى القوة العسكرية والمادية المحضة فحسب، بل أولاً على مستوى المعارف والثقافة والمدنية ومنظومة القيم العامة، وبالذات فيما خص تُركيا والولايات المُتحدة. لكن جميع هذه القوى تظهر فعلياً تطابقاُ مع ما يُمكن تسميته ب “الوعي المليشيوي”، أكثر من إيمانها وتطابقها مع أيٍ من قيمها هي.

يُمكن رصد الكثير من الأسباب والديناميكيات التي أنتجت هذه النمط من الاحتلالات التافهة الحديثة، لكن لا يُمكن إخفاء أبرز أثنين منها:

أولاً لأنها جميعاً جزء من فضاء الشعبوية والسطحية العالمي الكُلي، العالم الراهن الخالي من أية قوة أو نزعة عالمية ذات مضمون ومعنى، خلا السُلطة. عالم اليوم الفقير بالمبادئ الديمقراطية والليبرالية واليسارية، عالمٌ لا يُبالي حتى بقضيته البيئية، التي يُمكن أن تمحقه.

الشيء الآخر يتعلق بالموجبات التي دفعت هذه القوى لأن تحتل سوريا، فهي لم تأتِ بناء على رؤية ومشروعٍ مُسبق تستبطنه عن سوريا ومستقبلها، بل جاءت لاحتلال سوريا ضمن ما كانت تعتقده شيئاً لا بُد منه، فهي كانت ترى بأن الكيان السوري صار يتفكك بالتقادم، وأنها يجب أن تندفع لاحتلال أجزاء منه لتضمن مصالحها، مصالحها وليس أي شيء آخر قط.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...