“الظلم المنظم”: وجهة نظر محاضر في جامعة حلب بإرهاب بشار الأسد

مرت ستة أعوام على آخر زيارة لي إلى جامعة جامعة حلب وكلية الأدب والعلوم الإنسانية، كنت قد قاطعت الجامعة التي انتهكت حرمتها من قبل اللجان الشعبية- “الشبيحة”، وتحول أجزاء من حرمها إلى ثكنة عسكرية يتم قصف ريف حلب من خلالها، فيما تحولت كل زاويا كنا نجتمع فيها أثناء الدراسة وأثناء التظاهرات إلى بؤرة يجتمع فيها مؤيدو الأسد من الطلاب ويُذًّكرون العالم وأنفسهم بضرورة تجديد البيعة لبشار الأسد، السد المنيع بوجه الهجمات الامبريالية التي قد، لولا وجوده طبعًا، تمحي المنطقة عن بكرة أبيها.

وكأنهم نقبوا عن كل مكان تظاهر الطلاب فيه ضد الأسد في حرم الجامعة وحولوه لمنبر يذكرون الناس وأنفسهم بضرورة تجديد البيعة، “لو منعرف هيك دا يصير كان تظاهرنا بكل شقفة” هكذا يعقب مازن، صديق الكلّية، عن التقلبات التي مرت فيها جامعة حلب بعد ابتعادنا عنها.

حدث ما حدث لمدينة حلب، لينتهي بها المطاف تحت سيطرة قوات الأسد شكلياً وتحت سيطرة ميليشيات لا تعرف تلفظ اسم حلب كما يلفظها أبناؤها.

كنت قد بدأت أرمم وأعيد التحدث مع الأصدقاء الذين بقوا في حلب، وتعقب الطريق التي تسير به المدينة العجوز، وعن المصطلحات وثقافة التفكير التي يمضي من تبقى في حلب بها، وكيف يرون ترامب وكيف يرون تبدل سياسة المملكة العربية السعودية وكيف يرون العالم بشكل عام.

حتى المؤيد السوري منهم كيف يرانا؟؟ أحاول أن أرفع رأسي كطفل أصابه الفضول لمعرفة ما يراه الأخر  المقابل لنا في المحافظة نفسها من ناظوره الخاص، بعيداً عن نظرية المؤامرة الكونية ودور العرعور في تخريب سوريا. كان مازن، وهو صديق لي يأبى أن يتخرج من الجامعة خوفاً من الالتحاق بالجيش السوري، قد حدثني عن الكثير من الأمور خلال مكالمة صوتية عبر تطبيق “واتسآب”، المكالمة جرت بين شخصين يقدر مسافة البعد بينهما تطبيق “غوغل مابس” ب53ـ دقيقة في حال ركبت سيارة من مدينة الباب بريف حلب الشرقي تجاه مازن!

لم يعرف غوغل ماب أن الطريق إلى حي السريان من مدينة الباب ليس 53 دقيقة فقط، بل يتطلب منا الكفر بالثورة وإعادة الإيمان بالأسد، وتعلم كيف غدر معاوية بن أبي سيفان بعلي بن أبي طالب نظراً لازدياد عدد افتتاح الحوزات الشيعية المرخص لها حديثاً، لم تعد المسافة بين المدن السورية كما يرسمها  تطبيق “غوغل مابس” وإنما يعتمد على مدى الحرية والرضوخ للسلطات المتناثرة على بقاع الأرض السورية.

ومن حزمة الأمور التي حدثني بها مازن وارتطمت بمفرداتها هي وجهة نظر أحد المحاضرين  الجامعيين في قسم علم الاجتماع في كلية الآداب.

إذ دخل الدكتور المحاضر، والذي سبق أن درّس في إحدى الجامعات الفرنسية، وهذا ما يعيده على مسامع الطلاب في بداية أو منتصف كل محاضرة وبعد كل حديث يتطلب ذلك، دخل محذرًا الطلاب من الهجرة من البلد والتمسك ولو بشظايا مدافع جهنم التي يرميها ” إرهابيو حي بني زيد”، فهو قد تخرج من جامعات فرنسا ويحمل جنسيتها ولكنه لا يرى خارج حدود حلب حياة.

دخل إلى القاعة، بعد يوم من إبرام اتفاقية تهجير أهالي الغوطة نحو الشمال السوري، مستفسرًا من الطلاب عن رأيهم بالنصر الذي أحرزته “الحكومة السورية” بالتعاون مع “الحليف الروسي” في الغوطة الشرقية، “محدا استرجى يرد عليه أو يجاوبه لا بخير ولا بشر” يقول لي مازن، واصل المحاضر وجاوب على سؤاله دون أي ينتظر الإجابة قائلاً: سوف تسألون ما إذا كان هذا الفعل يضر بالمجتمع السوري أو يولد أحقادًا وتفككًا بين السوريين، نعم فليكن.. أنا لا أستبعد قصف جيشنا الغوطة بالسلاح الكيماوي ولولا تصريح الإعلام السوري بنفي القصف لقلت هذا عين العقل، من الواجب على الدولة أن تحميكم والحماية تكون بردع العدو وبقصفه بكل الأسلحة التي تعجل من الوصول لحمايتكم دون خوف، هل تتذكرون منذ عامين كيف كنا نخاف الوقوف هنا خوا من جرة غاز قادمة من حي بني زيد وتقضي علينا، لولا القصف والظلم المنظم الذي استخدمه الجيش وحلفاؤه لما وقفنا هنا ولما استطعنا النوم بارتياح”.

واصل هذا الدكتور كلامه لمازن وأصدقائه من طلاب، طلابٌ هم خليط من عدة سنوات دراسية لمادة سهلة ولكن معدل النجاح بها مرتبط بمزاجية الدكتور وخانة الطالب وكنيته والمدينة المنحدر منها و” انتصارات” الجيش السوري.

“إن لم نكن قساة حتى مع ممن كانوا أبناء الوطن الواحد، سيلتهمنا الجميع لذلك لا تزعلوا إن رأيتم مقاطع فيديو منتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، سبب البلا، واعلموا أن ما يحدث ما هو إلا خير لهذا البلد”.

نبذة عن الكاتب

خليفة الخضر

مواطن صحفي مقيم في الشمال السوري

Loading Facebook Comments ...