في مصر: عودة للاحتجاج

منذ التظاهرات التي اندلعت في حزيران-  يونيو الماضي، اعتراضًا على الاتفاقية التي بموجبها سلمت السلطات المصرية السيادة على جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، فإن النظام المصري لم يتعرض لأي منغصات داخلية تُذكر. إلا أنه وفي الأسابيع القليلة الماضية، شهدت القاهرة اندلاع شرارتين من الاحتجاجات، ومع محدوديتهما، إلا أنهما حملا بعض الدلالات الجديرة بالتأمل.

فمطلع الشهر الحالي، تجمهرت عشرات من الأمهات أمام وزارة التعليم للاعتراض على منظومة التعليم الجديدة، والتي أعلنت الحكومة عن بعض تفاصيلها قبلها بأيام، في فاعلية يندر حدوثها في أجواء الخوف القائمة، وخاصة أن بعض الأمهات في التظاهرة وجّهن نقدهنّ للسيسي مباشرة أمام كاميرات الإعلام. وبعدها بأسبوع واحد، قادت الزيادة المفاجئة لتعريفة مترو الأنفاق، بنسبة 250%، لاندلاع احتجاجات متفرقة في محطات المترو، اكتفت بعضها بالهتافات الغاضبة وسباب الرئيس، فيما قام بعض المتجمهرين، في حالة واحدة على الأقل، بقطع حركة سير القطارات، بالإضافة إلى قيام أحد المواطنين بإلقاء نفسه على شريط المترو.

في الحالة الأولى، والتي تعلقت بأولياء أمور طلبة المدارس التجريبية، وهي نسبة متواضعة من إجمالي المدارس الحكومية، تسامحت السلطات إلى حد كبير مع التظاهرة، واكتفت بإرسال عدد من أفراد الشرطة النسائية، لمتابعة التظاهرة وتخويف المشاركات فيها لفظيًا. فيما قامت في الحالة الثانية، المتعلقة بأكثر من 3 ملايين راكب يستخدمون مترو الأنفاق يوميًا، بإرسال وحدات من قوات مكافحة الشغب المسلحة ورجال الأمن الملثمين وعدد كبير من أفراد الشرطة في زي مدني، وقامت باستخدام العنف لتفريق المتجمهرين، وإلقاء القبض على عشرات منهم، وتوجيه اتهامات لعشرة على الأقل.

في الواقعتين، تبدو أسباب التظاهر مرتبطة بمؤسسات التمويل الدولية، فمشروع منظومة التعليم الجديدة يأتي في سياق تمويل البنك الدولي لإصلاحات تتعلق ببنية التعليم المدرسي، أما رفع أسعار تعريفة المواصلات بنسبة تجاوزت الخمسة أضعاف في أقل من عام، فهي بند ثانوي في عملية إعادة هيكلة النظام المالي المصري، والتي اشترطها صندوق النقد الدولي، لحصول مصر على دفعات من قرض الـ 12 مليار دولار.

لكن الثقة التي تعاملت بها المؤسسات الدولية مع قدرة السلطات المصرية على تنفيذ “إصلاحاتها” القاسية، دون أدنى مقاومة، ربما يجب أن تصبح محل شك. فبالرغم من أن نسب التضخم القياسية التي أعقبت تعويم العملة المحلية وفقدانها لنصف قيمتها تقريبًا، ورفع أسعار المحروقات مرة بعد أخرى، لم تسفر عن أي احتجاجات تذكر، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن تُقابل الخطوات التقشفية القادمة بالهدوء نفسه.

فتظاهرات الشهر الجاري العفوية، والتي لم يسبقها أي دعوات سياسية أو تحريض من المعارضة، هزت صورة النظام المحصن من الاحتجاجات، ودلّلت أيضًا أن البطش الأمني ليس كافيًا وحده على المدى الطويل. وخفوت خطر الإرهاب وتراجع الهجمات التي أضحت مقتصرة على سيناء فقط (وبمعدلات أقل من السابق)، بالإضافة إلى حسم المعارك ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” في كل من سوريا والعراق، كل هذه التطورات أفقدت النظام المصري واحدًا من أهم مرتكزاته الدعائية ومبررات شرعيته. وبالقدر نفسه، فإن تواري جماعة الإخوان التي كانت محورًا لبروباغندا النظام العدائية وهدفًا للكراهية الشعبية، قد نزع عن المشهد السياسي الداخلي صيغته الصراعية التي طالما روج لها النظام وتربّح منها. ويجيء دخول السيسي لفترته الرئاسية الثانية، بدلالة رمزية يصعب إغفالها، فالنظام الذي كان يصارع لإثبات شرعيته، ويتحجج بالحاجة لمزيد من الوقت لترسيخ قوائمه، قد انتقل لمرحلة تصريف الأمور في أعين الأغلبية، بعد خمسة أعوام مرت على الثلاثين من يونيو. وكذلك فإن تواري النشطاء والأحزاب السياسية عن الاحتجاجات الأخيرة، يدلل على أن قمع المعارضة السياسية لا يعني بالضرورة القضاء على إمكانية الاحتجاج، بل ربما يكون محفزًا له مع إغلاق كافة منافذ التنفيس الممكنة.

وبالإضافة إلى كل هذا، فإن النظام الذي يبدو أنه اطمأن لمرور صدمات تعويم الجنيه ورفع الدعم المتتابعة، دون ردود أفعال تذكر، ويتجه بناء على هذا لتسريع وتيرة “إصلاحاته”، يبدو وأنه قد أخطأ الحسابات إلى حد كبير. فتراكم القفزات المفاجئة للأسعار، والهبوط المتوالي لمستويات المعيشة، مع نفاذ صبر الشرائح التي عوّلت على تضحيات آنية لصالح تحسن مستقبلي طويل المدى، ربما ينتهي إلى غير ما يظن النظام. فمقايضة الحرية مقابل الأمن، قد فقدت طرفها الثاني، فلم يعد موضوع الأمن طارئًا كما في الماضي، كما فقدت مقايضة الديمقراطية مقابل الرخاء، شقها التعويضي هي الأخرى، فلم يعد هناك ما يمكن انتظاره من سياسات الدولة سوى مزيد من السلطوية يلحق بها مزيدًا من الإفقار وتردي الأوضاع الاقتصادية.

تخطط الحكومة لرفع الدعم نهائيًا على المحروقات بنهاية العام المالي الجاري، ما يعني قفزة إضافية في الأسعار، وتواصل المستويات القياسية من التضخم، في الوقت الذي وضعت فيه وكالة التصنيف الائتماني، موديز، مصر ضمن قائمة من 7 دول الأكثر عرضة لمخاطر ارتفاع تكاليف الدين العالمية، لتنفي حتى معادلة تحسن الأرقام الكلية للاقتصاد على حساب الأوضاع المعيشية واليومية للمصريين.

لا يعني هذا بالضرورة أن تواجه الإجراءات الاقتصادية المتوقعة في الشهور القادمة بهبات شعبية مؤثرة، لكن ما تطرحه احتجاجات الشهر الجاري مع محدوديتها، هو أن معادلة الحكم الحالية في مصر بانتظار تحديات جوهرية في المستقبل القريب، إما أن تتعامل معها السلطة معها ببعض من المواءمات والمقايضات، أو بتمديد حالة الاستنفار الأمني من محطات الأنفاق إلى الحيز العام كله. ومع الخيارين، لا يبدو تحصين الوضع القائم، بصيغته الحالية، ممكنًا لوقت طويل.

نبذة عن الكاتب

شادي لويس

كاتب وباحث مصري، حاصل على شهادة الماجستير في علم النفس من جامعة إيست لندن، يكتب المقال في عدد من المواقع والصحف العربية

Loading Facebook Comments ...