الفلسطينيون والقُدس وغول اللغو

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

 

بالنسبة للقُدس، جرى كُل شيء كما كانت تُريده إسرائيل والولايات المُتحدة، وفقط كذلك. فالأولى حققت واحدة من أهم تطلعاتها الأسطورية، واعترفت القوة العالمية “الأكبر” بالقُدس عاصمة شرعية للكيان الإسرائيلي. نُخب الحُكم الأمريكية المحافظة حققت بدورها واحدة من أهم عقائدها واستراتيجيتها، وعلى رأسها الادعاء بالتمايز عن باقي النُخب التي حكمت الولايات المُتحدة من قبل، التي لم تتجرأ على أتخاذ هذه الخطوة، رُغم وعودها الكثيرة بفعل ذلك. تحقق للطرفين ما أرادا، ونُقلت سفارة الولايات المُتحدة في إسرائيل من تل أبيب إلى القُدس.

لكن ذلك كان وجهاً واحداً فحسب لما جرى، إذ ثمة كُتلة أخرى من “الرابحين” الحقيقيين في حِلبة القُدس الأخيرة.

تأتي قوى محور الممانعة الإقليمي على رأس هؤلاء الرابحين، فأحداث القُدس الأخيرة سمحت لهم بإعادة تصعيد خطاباتهم الرنانة، حول الوطنية والتصدي والحق، وأن تسعى جاهدة لأن تستعيد جزء من شرعية حُكمها التي اهترأت طوال السنوات الماضية، وأن تقول شيئاً من مثل “لسنا الوحوش الوحيدين”، وأن محق الأقوياء للضُعفاء أنما هو المنطق والجوهر المركزي لشكل العلاقات في المنطقة.

حركتا حماس والجِهاد الإسلامي، مُمثلتا محور المُمانعة في الداخل الفلسطيني، سعتا جاهدتين لأن تقتنصا شيئاً مما افتقدتاه خلال السنوات الماضية، أن توحي بأن السُلطة الفلسطينية وحركة فتح أنما متواطئة مع إسرائيل والولايات المُتحدة، وأن يتجاوز المحكمون في غزة فظائع ما يعيشونه. السُلطة الفلسطينية بدورها فعلت شيئاً كثيراً من ذلك، فهي في تفاصيل وسلوكيات حُكمها لا تختلف كثيراً عما تفعله حماس، وليست أقل تكالباً في استغلال مثل هذه الأحداث.

الرئيس التُركي اجتهد في استغلال مسألة القُدس في حداها الأقصى، استخدم كافة عبارات قاموس المظلومية، الحق والعودة والمُقدسات والمغدورين والهوية والأمة، استخدمها تماماً في كافة حفلات حملته الانتخابية الراهنة. فوق ذلك، دعا أردوغان إلى قمة إسلامية طارئة، تبادل المُجتمعون فيها موشح خطاب أردوغان الإسلامي/القومي فيما بينهم. لكن أردوغان فعلياً لم يفعل سوى شيء واحدٍ فحسب، استدعى السفير التُركي من تل أبيت فقط. هذه الخطوة التي كان يُقدم عليها في مرات كثيرة، حيث كان السفير يعود إلى ممارسة أعماله بعد أوقات قصيرة من أية أزمة.

بوتين والقوى الأوربية حاولت أن تُباري هذه القوى المحلية والإقليمية في مزاوداتها، فالأول سعى لأن يُثبت بأن الولايات المُتحدة ورئيسها المُتطرف قوة خلخلة لاستقرار المنطقة، وأن روسيا أكثر قدرة على ضبط مجموع المتصارعين. الأوربيين بدورهم سعوا لأثبات أن خصائص ومصالح بِلادهم في المسائل الشرق أوسطية مختلفة عن تلك التي للولايات المُتحدة، وأنهم أكثر وسطية في فهمهم لحساسيات شعوب المنطقة.

مثل هذه القوى مُجتمعة فعل النِظام المصري وحُكام الخليج، إذ أجمع الكُل على رفض السياسة الأمريكي الجديدة، لكن دون أن يُقدموا فعلياً على تقديم أي شيء ذو مضمون ومعنى لضحايا هذه السياسة، الفلسطينيون، الذين بالإضافة إلى المزيد من خسارتهم لمدينتهم التاريخية القُدس، أنما خسروا المئات من الضحايا الجُدد من أبنائهم.

من الواضح أن العالم، بالذات قواه المركزية الأكثر قوة ونفوذاً، أنما توالي وتدعم إسرائيل في مسألة القُدس، وغيرها من التفاصيل المُتعلقة بالقضية الفلسطينية، لأن إسرائيل هي الأقوى والأكثر تآلفاً وشبهاً بذلك العالم.

الأكثر وضوحاً هو أن القوى الإقليمية، أنظمة الحُكم العربية والتُركية والإيرانية، ومعها الزعمات الإسلامية والقومية والتيارات والأحزاب الايدلوجية، أنما تستخدم وتستغل المسألة الفلسطينية في صراعتها وأزماتها وحروبها الأهلية، تُغطي بها أشياء كثيرة من فظائع أحوالها.

لكن الذي لم يعد واضحاً، وطبعاً صار مؤلماً وتراجيدياً، أن يبقى عشرات الألاف من الفلسطينيين مُعتقدين ومُقتنعين بهذا اللغو السياسي والثقافي والايدلوجي الإقليمي والعالمي الذي يُحيط بهم، أن يعتقدوا بأن هذا اللغو قد يُنتج لهم أي شيء لهم ولقضيتهم.

خلق الفلسطينيين لمسافة واضحة بين قضيتهم وغول اللغو هذا، لا يمرُ عبر سعي نُخبهم الثقافية والسياسية لتفنيد وتحطيم الخطابات الايدلوجية والدينية والقومية الرنانة التي تُطربهم، حقيقتها وأدوارها ومراميها الخفية، بل تمرُ إجبارياً في حقل الواقعية السياسية الأليم، الذي يدفع لنبذ شعارات المُطلق السياسي والعُنف الذي دون أفق. لكن أولاً القبول بما هو مُمكن من اشكال النضال السياسي في مواجهة الغول الآخر الذي لا يقل فظاعة عن غول اللغو، إسرائيل.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...