سبايا سنجار الخمس ومقاتلو داعش الخمسة

“كان مشغلي مروعاً، اُنتهكَ بالبطش الأعنف”، يقولها سارات بعد عشرة أيام غير متتالية، يسردها مُعنوناً إياها بأسماء لوحات تشكيلية أوربية من القرن التاسع عشر، جاعلاً من وصفها ومقاربتها بالواقع السوري مدخلًا لسرد أحداث لقائه بخمسة من فتيات سنجار الأزيديات، واللوات سباهن تنظيم “الدولة الإسلامية”، وكذلك لقائه خمسًا من عناصر التنظيم، عشرة أيام التقى خلالها سارات مع أناس في البرزخ.

سليم بركات

صدرت رواية “سبايا سنجار” للروائي سليم بركات عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر” قبل عامين، بعد اجتياح تنظيم “الدولة الإسلامية”- داعش لقرى جبل سنجار في محافظة نينوى العراقية منتصف آب عام 2014، حيث تم قتل آلاف المدنيين واقتياد المئات من النساء الإزيديات وبيعهن كجوارٍ في الموصل والرقة وغيرها من المناطق.

سارات وقصصه:

تُروى الرواية على لسان سارات الرسام الكردي السوري، الذي يقطن السويد منذ فترة طويلة، بمنزل مجاور لبحيرة أودن في ضواحي ستوكهولم. تتماهى شخصية سارات مع شخصية الكاتب، سارات رسام مثقف متعدد المعارف، يوظف اللوحات لخلق مقاربات مع تاريخ اللوحة والواقع السوري، ويوظف معارفه وسعة اطلاعه لإضفاء معلومات على كل حدث يدور من حوله، معطيًا إياه تحليلاً وعرضاً تاريخياً. تتعدد الموضوعات التي يتطرق لها سارات: الحب، والخيانة، والعنف، والقتل، والعاطفة، والسياسة، والدين، والأساطير، والجنس، والسبي، والمواطن العربي والمواطن الأوربي، وبرودة السويد، وعقلية عناصر تنظيم “الدولة”.

ينقل سارات الصور وتفاصيل الأشياء المرئية والملموسة إلى لغة عن طريق الوصف والروي، فمعدن مرآته المزخرف وتفاصيل السجاد التركي والإيراني ومشغله الأبيض تتشكل أمام القارئ، بينما يعيش في عالمين واقعي وآخر سحري يجمعهما سليم بركات سويًا حيث تتداخل تفاصيل الحياة الواقعية بالمتخيل، ويصنع سارات من هذه التداخلات قصصاً وحكايا ويربط أمكنة متعددة وأزمنة مختلفة مانحًا لكل من هذه القصص حقها، كما يخلق من عالميه مناخًا تتداخل فيه الموضوعات لتصبح الرواية زاخرة بالمعرفة تسهب في كل موضوع تتطرق له. ومن خلال تداعي الأفكار، لا ينفد الراوي من فكرة دون تحليلها وتمحيصها وخاصة وإن كانت سياسية تتطرق لوضع سوريا الراهن، والتي تتحول أحيانًا لخطابات قاسية حادة.

  • “أنا مواطن الدولة الفراغ الآن، مواطن النهاية بلا أمل في شيء”.

مقتحمو اللوحة:

تتسلل عادة اللوحات القديمة إلى جسد سارات أثناء نومه وتنطبع على صدره مثل وشوم لتزولَ مع نهاية النهار، خالقةً إسقاطات وتصورات عن العالم اليوم، فاللوحات المتسللة أغلبها من أشد اللوحات عنفًا وقسوة، تجسد حالات من الألم الجسدي والعقاب الإنساني، وسبق لسارات أن رسم لوحات تجسد العنف والقسوة في سوريا، ولكن لم يسبق له ان اقتحم أحدًا رسمه عنوةً، وهذا ما حصل بعد ان رأى شاهيكا بالخمار الأحمر قرب البحيرة.

يتوالى ظهور الشخصيات الجديدة في كل يوم يعيشه الرسام، شخصيات ليست متوافقة لا مكانيًا أو زمانيًا أو حتى فيزيولوجياً مع السويد، أناس في برزخ ما بعد الموت، يطالبون سارات الذي فكر برسم لوحة عن السبي البابلي بأن يقحمهم في لوحته عن سنجار، اللوحة التي لم يفكر بها، بل فكر بتورية لها وهي السبي البابلي التوراتي، إذ يؤمن الإيزيديون أنهم من أول الديانات الموحدة لله، ولكنهم لا يتشابهون مع تعاليم الديانات الإبراهيمية، فديانتهم انبثقت من الديانة البابلية القديمة، تظهر تلك الشخصيات المبعوثة بمهمة أخيرة وهي مطالبة سارات برسمهم كما يريدون دون أن يتجاهل أي تفصيل.

فتيات سنجار الخمس يُبعثن مرارًا إلى بحيرة أودن، التي يطلقن عليها اسم بحيرة لالش تيمنًا بوادي لالش في سنجار- مرقد الشيخ عادي بن مسافر.

تتراوح أعمار الفتيات بين الحادية عشر والسابعة عشر، بأسماء مستعارة وتفاصيل متنوعة تتكثف بها سمات الإيزيدين، الفتيات الخمس ثورة على مفهوم الشر، نقيض رجال “الدولة الإسلامية” اللذين يزورون سارات.

تقول كيديما ذات الثلاثة عشر ربيعًا “لو لم أكن موجودة في هذه الحياة، لما حصل لي ما حصل”. بدل أن يشعر الظالم بذنب ما غدت الضحية تؤنب نفسها، لا مفهوم واضح للشر في الدين الإيزيدي، إبليس الشيطان يتحول لطاووس خادم للرب فهو من تجاوز اختبار السجود لآدم، بينما تنكره الأديان الإبراهيمية محيلة إياه كشيطان وبداية للشر.

أحلام فتيات سنجار:

شاهيكا المبعوثة من البحيرة تريد من سارات أن يرسم جبل سنجار يتنفس حزينًا وأن يرسمها بلا خمار، أما نيناس الطفلة راعية الأغنام ذات الملامح الحزينة فتريد أن تجتمع مع أخيها المقتول عبر لوحة أخرى، وأنيشا صاحبة الأربعة عشر عامًا الجريئة التي بيعت بسبعمئة دولار تمتلك صوتًا عميقًا، فتطلب من الرسام تقبيلها وتخبره عن أشباح البحيرة وامتلاء المكان بأشباح من ماتوا، وتطلب بأن ترسم باسمها المستعار وبطول يتناسب مع طولها برفقة شاب يقبلها. وبعدها تظهر كيديما المدخنة مطالبة برسمها ثمان مرات بعدد المرات التي بيعت واشترت بها، وأخيرًا يادا التي تريد أن تتجسد بلون أحمر، حمراء كلها، لتظهر سعيدة.

تتفق الفتيات أن جبل سنجار سيحل في لوحة سارات، جبل حزين، يتسع لكل آلامهم وأحلامهم الميتة، جبل يختصر جغرافيا القتل، سيخلق في السويد عبر ألوان الرسام. ألقت الفتيات بهذا الثقل على سارات وانتظرن إتمامه لطلباتهن، وذكّرنه بآلاف الموتى على حواف البحيرة المتلهفين لرؤية الجبل.

بالتزامن مع اقتحام الفتيات حياة سارات المنعزلة، يزوره قتلى تنظيم “الدولة الإسلامية” تباعًا، قتلى من مختلف الأنواع ولكن يتشاركون بالموت على يد التنظيم الذي جاهدوا من أجله. أبو دحية أو عدنان الشاب العراقي الذي صلب وأُطلق النار على رأسه بسبب عشقه للخليفة البغدادي، اُتهم باللواطة ومات متأملًا طفلًا صغيرًا يلهو برأس مقطوع.

 وإحسان الداعية من البوكمال يريد فرض الشريعة على شعوب أوروبا ويتوعد بأن أرض المؤمنين ستحل قريبًا على وجه المعمورة، كان يدرب ويلقن الأطفال تعاليم الجهاد، “نقتل الكفرة.. بل نقطع رأسهم بالسكاكين”.

 وعمروف الشيشاني الانتحاري، الذي قتل على يد زوجه أخيه بإحدى عشرة رصاصة، والحاج سعدون ذي البشرة السوداء الذي يفتي بأن طائرتي 11 سبتمبر شهيدتين ستسكنان الجنة وتحلقان للأبد، وأخيرًا مغني الراب الليبي الذي ولد في بريطانيا مشبعًا بالحقد تجاه الغرب والذي أعدم لأنه أراد المطالبة بإنشاء “لجنة حماية حقوق الحوريات” في الجنة.

 لم تستطع لوحات شاغال ووليم بليك وغيرهم تجسيد هول الألم والمعناة السورية، ولم تستطع أشنع طرق التعذيب في لوحات “موت مارات” و”إغواء القديس أنطونيو” و”جوديث تقطع رأس هولوفيرنز”، وحتى لوحات فرانسيس غويا مثل “زحل يلتهم ابنه”، لم تستطع كل هذه اللوحات أن تصل لاحترافية أسلوب تنظيم

لوحة “زحل يلتهم ابنه” لغويا

“الدولة” في القتل والتنكيل، ولأسلوبهم الاستعراضي لخلق ذاكرة بصرية طويلة المدى لا تمحى.

في الرواية إحالات للوحات أخرى تجسد جحيم الأرض كلوحة “حديقة الملذات الأرضية” لإيرونيموس بوش، والتي تصور ثلاث مراحل من الحياة: الجنة، الحياة، والجحيم. ولوحة “غرق طوافة الميدوزا” التي تجسد الصراع للسلطة والنجاة في آن معا. هذه اللوحات تحاكي ولو شكليًا الرعب والرهبة التي يخلقها التنظيم، بينما تحاكي لوحة “الكابوس” مخاوف سارات وسوريّي المهجر وأحلامهم الجاثية على صدروهم، فاتصالات خاتشيك صديق سارات الأرمني المقيم بفنلندا ومراقبته الدائمة لنشاطات تنظيم داعش توحي بهذه الرهبة العالمية من تنظيم خُلق ليقدم الرعب.

تجسيد هذا الألم في لوحة هو طريق وعر وصعب أكثر من أن يتخيله سارات. كيف له أن يجعل جبلًا بهذا القدر من الحزن، ذاكرة مقتحمي حياة سارات أثقلت اللوحة كما تثقلها الجغرافيا التي لا يكف الرسّام عن الحديث عنها، جغرافيا مبعثرة مشتتة ممزوجة بأسماء الأمكنة ومتنوعة زمانيًا من بابل إلى دمشق إلى الرقة والموصل فسنجار وبريطانيا والسويد، جغرافيا مفككة غير مترابطة تجمع الحزن والقهر، جغرافيا بلد ميت.

  • بلد لم يولد، لم يكن بلدًا قط، لم يكن للهواء خيال فيه، بلد احتمال من أذله إلى أبده. لقد عشت فيه شبحًا، هربت منه شبحًا. ثم -وعلى نحو غامض- آمنت به بلدًا، آمنت ببلد ميت، ولد ميتًا وهو يجرني معه، منذ ولدت إلى عقاب الوجود فيه”.

 لم تكن لغة سليم بركات بالغة التعقيد بل كانت لغة خطابية تمتلئ بالأفكار الطازجة والعفوية أحيانًا عن سوريا من بعد، تمتلئ أحيانًا بنوستالجيا لبلد مقتول، بلد قتل أبناءه معه، بلد جعل الكل غرباء. لم يستطع سارات أن يبدأ الرسم قبل أن يحطم كلب دولة الخلافة مشغله مبعثرًا كل أغراضه، فينثر الرسّام الألوان على الجدران على غرار أسلوب الفنانين التجريدين كما يقول، فلا قلم يستطيع رسم ذاكرة من المعاناة، ويرسم لفتيات سنجار قاربًا ليعدن به لوادي لالش، يذهب معهن للبحيرة ليرى الخيام والرسامين، وكأن سوريا أصبحت أشباح الموتى في خيم اللجوء، الكل محكوم بالموت الفيزيولوجي أو الموت النفسي وقتل العاطفة.

  • “أنا حرُّ كسخرية”

نبذة عن الكاتب

دانة كريدي

صحفية سورية

Loading Facebook Comments ...