موسيقى سوريّة راهنة: من مشهد لا يحظى بمتابعة كافية

من النادر الحصول على شهادة مكتوبة من قبل عازف أو موسيقي فضاء تعبيره كفنان يدخل في إطار النوتة الموسيقية وليس في إطار الأبجدية المكتوبة. تساعدنا أربع شهادات مكتوبة من قبل موسيقيين سوريين كمشاركة منهم في كتاب “أما بعد. شهادات من فنانين وفاعلين ثقافيين مستقلين”، تساعدنا على تلمس ملامح من المشهد الموسيقي السوري في المرحلة الراهنة كما يصفه فاعلوه والمنتجون فيه.

ضعف المستوى التعليمي وغياب الروح الفنية الجماعية

تمثل الشهادة المكتوبة التي قدمها الموسيقي وعازف التشيللو السوري أثيل حمدان، بعنوان “عن المشهد الموسيقي في دمشق حتى عام 2014″، وثيقة هامة في مسار تتبع الوضع الفني الموسيقي السوري الراهن، وذلك لعدة أسباب، أهمها لأن كاتبها شغل منصب عميد المعهد العالي للموسيقى، ومدير الفرقة الوطنية السمفونية السورية بين أعوام 2004 – 2014، وكذلك شغل منصب مدير معهد صلحي الوادي للموسيقى بين عامي 2002 – 2005، ومنذ العام 1995 يعمل كأستاذ في المعهد العالي للموسيقى، ويعتبر من الفاعلين الثقافيين في الحقل الموسيقي الكلاسيكي السوري ونشطًا في إنجاز فعالياته.

في هذه الشهادة للموسيقي نتلمس العديد من الظواهر الفنية الموسيقية في الواقع السوري التي لا يمكن الكتابة عنها إلا من زاوية المراقب الدقيق، والعارف بخلفيات المستوى الموسيقي السوري، كما هو حال حمدان، فعلى سبيل المثال يكتب الموسيقي عن التجربة التي يعيشها حالياً المعهد العالي للموسيقى- الجهة الأساسية في إنتاج وتعليم الفن الموسيقي في سوريا، موصفاً: “عندما أتحدث اليوم عن مجمل التغيرات التي طرأت على المشهد الموسيقي السوري خلال السنوات الأخيرة فإنني أتوقف، بالدرجة الأولى، عند المرحلة التي كنت لا أزال فيها عميداً للمعهد العالي للموسيقى بدمشق بين عامي 2004 و2014، حيث إنني كنت شاهداً على خسارة هذا المكان العريق، خلال السنوات الماضية، للكثير من قوته وتأثيره بسبب سفر العديد من المدرسين الأكفاء إلى الخارج هرباً من أجواء الحرب، بالإضافة إلى عودة الخبراء الروس إلى بلادهم، مما ساهم في زعزعة المستوى العالي للمعهد حتى أصبح يعتمد على البدلاء، ثم على بدلاء البدلاء، ناهيك عن سفر الكثير من الطلبة خارج البلاد”.

يرى أثيل حمدان أن رحيل العقول، والخوف على مستقبل الفنون، وهبوط المستوى الفني، وغياب حلول حقيقية، والتخبط الحكومي المريع، كلها ظواهر تدعو إلى القلق على الوضع الموسيقي السوري، وهو يضيف في توصيفه هذه الظواهر، ظاهرة أخرى، ألا وهي النقص الملموس في مفهوم العمل الجماعي: “حيث اتجه الموسيقيون بصورة عامة نحو مشاريع فردية تعرض أكثرها للفشل بسبب المستوى الفني، فضلًا عن صعوبة إيجاد لغة مشتركة حتى عند العازفين اللائقين عندما كانوا يحاولون العزف معًا”.

ويردف في معالجة هذه الظاهرة: “لطالما كنت متأكدًا أن جزءً من الحل يكمن في تشجيع العازفين نحو موسيقى الحجرة، أي المجموعات قليلة العدد، الأمر الذي يتيح لهم فرصة العزف الدائم وتوحيد الأفكار الفنية في إطار واحد، ما يضمن توسيع عملية البحث عن الحل. وضمن هذا السياق أنشأت وزملائي بالفعل مجموعتين موسيقيتين: الأولى هي مجموعة وشاح لموسيقى الحجرة التي استمرت من العام 2005 وحتى العام 2012، أما المجموعة الثانية فكانت مجموعة عازفي التشيللو التي تأسست العام 2004 واستمرت حتى العام 2011. مع تفاقم الأزمة في سوريا، انهارت المجموعتان نظراً لسفر العازفين”.

الفن الحيوي والضروري للحياة السورية

ننتقل إلى تجربة موسيقية أخرى توضح لنا بعضًا من ملامح الفن الموسيقي السوري في بلاد اللجوء والهجرة. إنها شهادة ” الفنان المتجول” كما يعرف هو عن نفسه، عازف الكلارينيت والمؤلف الموسيقي كنان العظمة، المقيم في الولايات المتحدة، والذي كتب في شهادته بداية مبينًا رأيه في موضوعة دور الفن وعلاقته بالعالم السياسي الاجتماعي من حوله: “ثمة مدرستان فكريتان أساسيتان فيما يتعلق بالفن ودور الفنان: تعتبر أولاهما أن واجب الفنان أن يعكس العالم من حوله. في حين تعتبر الثانية أن دور الفنان إعادة خلق العالم بشكل مثالي. لم أشعر يومًا بالانتماء إلى أي من هذين المعسكرين، ولطالما كانت فلسفتي الشخصية أننا نصنع الفن لنختبر المشاعر التي لا يتسنى لنا اختبارها في الحياة الواقعية”.

يكتب عازف الكلاينيت العظمة عن وضع الفن الموسيقي السوري الراهن” “باعتباري فنانًا متجولًا، تغير المشهد تغيرًا كبيرًا في السنوات الماضية أيضًا. رأيت كيف تغيرت النظرة للسوريين والفن السوري، فبعد أن كان الفن السوري معروفًا على نطاق ضيق جدًا، بات اليوم نقطة تركيز للعديد من المهرجانات والفعاليات الثقافية”.

وفي التأكيد على أهمية التجارب الفنية السورية المستقلة يكتب العظمة:  “إن مجموعة السوريين المستقلين المذهلين هي اليوم شجاعة وقوية وأصيلة ولا تحاول الترويج لنفسها على أنها سوريّة فحسب، بل على أنها فن يتعامل مع المأساة السورية وأبعادها السياسية وينقلها، ويستطيع المنافسة بمعايير فنية بحتة. أظن أن الفنانين السوريين يتعاونون الآن معًا بوسائل جديدة ومبتكرة لم نرها من قبل. كما تغير النقاش الفني بين السوريين من حيث التجارب والتعبير عن الذات”.

ويختم الفنان السوري العظمة بالعبارة التي تؤكد على أهمية الخلق الفني في المرحلة الحالية: “باختصار، لم يكن الفن يومًا بالحيوية والضرورة التي هو عليها اليوم في حياة السوريين”.

تجارب غنائية بلغات سورية متعددة

تجربة موسيقية أخرى تستحق التوقف عندها هي للموسيقي السوري الكردي (صلاح عمو)، الذي كانت أعماله الموسيقية وأغانيه تقتصر على اللغة الكردية، لكن فقدان صديق في العام 2011 أدى به لكتابة أول أغنية باللغة العربية، ومن ثم تتالت أغانيه التي راح يكتبها باللغتين العربية والكردية، إلى أن أصدر  ألبوم “أمكنة وجهات” 2011، والذي يتضمن موسيقى آلاتية وأغانٍ باللغة الكردية والعربية والسريانية والأرمنية، وفي العام 2014 أصدر ألبومه الغنائي الثاني بعنوان “عاصي قصة نهر سوري” والذي يضم أيضاً أغانٍ باللغتين الكرية والعربية، كما يضم أغنية تتداخل فيها اللغتان: “كل الأغاني في هذا الألبوم هي حالة فردية إبداعية لا أتعامل فيه بمفهوم انتقائي بين انتمائي القومي أو الوطني، هي حالة تعكس إحساسي بالدرجة الأولى، فيما يحصل حولي وما أشعره بشكل طبيعي”.

لاقى ألبوم “عاصي قصة نهر سوري” نجاحًا في النمسا حيث يقيم الفنان في الفترة الحالية، وقد حظي الألبوم بتغطية في الصحافة النمساوية والعربية، وترشح إلى جائزة النقاد الموسيقين في ألمانيا. وفي نهاية العام 2015 أسس صلاح عمو مبادرة روابط سورية مع المنظمة النمساوية لدعم الثقافات الوافدة إلى النمسا. نفذت المبادرة عدة مشاريع موسيقية ناجحة وضمت بالإضافة إلى الموسيقى، فنون الأداء والفنون البصرية والأدب: “كان الهدف من المشروع تعميق روابط العلاقة والفهم المتبادل بين السوريين البلد المضيف لهم بطريقة تتخطى الحواجز اللغوية وتعكس جانب من الهوية السورية عبر الفن والثقافة والإبداع”.

وعن تنوع الثقافة السورية والمكونات التي تشكل الهوية الثقافية السورية يكتب الموسيقي السوري: “بلد مركب فيه العربي والكردي والسرياني والمسلم والمسيحي والدرزي.. وهو ثراء وغنى، الثقافة السورية تعكس كل هذه الهويات. كم أتمنى أن نعود قريبًا وأن يستطيع كل سوري أن يغني ويكتب ويعيش الحالة الثقافية بحرية، وأن يكون متصالحًا مع انتمائه وهويته الثقافية، وأن تصاغ كل هذه الانتماءات ضمن انتماء جامع يسمى الهوية السورية”.

خماسي النفخيات وإيقاعات المقاومة

نتعرف تاليًا على تجربة عازفة الفلوت السورية نيسم جلال، والمقيمة في فرنسا. منذ العام 2011 تقدم موسيقاها في أكبر مهرجانات الجاز في فرنسا، وفي أوربا برفقة خماسي نيسم جلال وإيقاعات المقاومة، تكتب: “موسيقاي هي الوسيلة الأكثر مباشرة ووضوحًا لأعبر عن نفسي. أعبر عما أشعر وأفكر وأحلم به، وما يؤثر في. إذًا، من الطبيعي أن أعبر عن ألمي لعزلة ومعاناة الشعب السوري، وأيضاً عن إعجابي بشجاعته، وبثقافته المتأصلة والرائعة”.

ألفت نيسم جلال مقطوعات عديدة تتناول الوضع السياسي السوري منها “الموت ولا المذلة” التي تقول عنها: “إنها أول المقطوعات التي تحكي قصة الثورة، يقظة الشعب، إرداته المنتهكة، تردده، المظاهرات السلمية، القمع، ومن ثم الحرب” وتصفها بالمقطوعة الموسيقية التصويرية. أما ألبومها الأخير فحمل عنوان “أبطال كفرنبل”، البلدة التابعة لمحاظفة إدلب، والتي عرفت حراكًا ثوريًا مدنيًا نشطًا، وابتكرت بوفرة في استعمالات الفنون المتعددة للتعبير عن آراء النشاط والفنانين فيها: “لا يعبر الألبوم عن الألم بل عن الأمل والإعجاب، بشجاعة هؤلاء الأبطال”.

وأخيراً تتحدث نيسم جلال عن مقطوعة موسيقية كتبتها لمدينة حلب، وهي لآلة فلوت وحيد، وتؤدى باحترام شديد للتقاليد: “هي تكريم لمدينة حلب كمرجع لتراث الموسيقى العربية، أردت إحياء حلب، المدينة التاريخية الكبيرة، من خلال الموسيقى، فهي عانت الحصار والدمار بشكل كامل”.

شهادة الخبير الموسيقي أثيل حمدان، وتجربتا الموسيقى المستقلة لعازف الكلارينيت كنان العظمة وعازفة الفلوت نيسم جلال، والألبومات الغنائية الثنائية اللغة لعازف البزق ومؤلف الأغان صلاح عمو، ترسم جميعها تفصيلًا من ملامح المشهد السوري الراهن الخاص بفن الموسيقى، الفن الذي طالما كان قادرًا على تقديم  الجماليات السماعية والقضايا الاجتماعية والثقافية، والذي طالما سقط سهوًا من عناية المحللين والمراقبين للوضع الثقافي السوري والعربي بشكل عام.

نبذة عن الكاتب

علاء رشيدي

قاص، صحفي ثقافي، ومدرب إعلامي. صدرت له مجموعتان قصصيتان عن دار أطلس للنشر.

Loading Facebook Comments ...