الوطن الصّغير – مذكرات كانت ممنوعة 14

ممكن يكون البيت هو الوطن؟ وطن بديل؟ أو وطن حقيقي؟

كيف ممكن نقدر نترك بيوتنا وذكرياتنا وحياتنا بس لأنه مجموعة حاكمة قررت انه لازم نترك!!!

اسمعوا شو ح تخبرنا ندى اليوم بمذكراتها وشو عملت داعش مع عيلتها!!

مذكرات كانت ممنوعة الإثنين ضمن فترة الحكايا ابتداءً من 08:30 بتوقيت سوريا على سوريالي.

 

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

بورقة ملكية صغيرة بتنتهي بتوقيعين وكم ختم كتيرعالم بتعتبر حالها عم تحصل على بيت.

بس بالحقيقة مو كل سند ملكية هو بيت ولا حتى الحيطان ممكن تشكل هالفكرة.

البيت هو الوطن الصغير يلي منلجأله لنهرب من الوطن الأكبر يلي نبذنا، هو الذكريات، الأحلام، الحب والدفا، هو الملجأ بهالعالم المتوحش.

رسائلي لبابا بالغياب عم تزيد يوم عن يوم، تزايد الأيام بالنسبة للعالم هو عبارة عن أرقام عم تنضاف فوق بعضها بعملية حسابية كتير بسيطة، بس بالنسبة إلي كان جرح وعم يكبر، ألم عم يزيد وحزن كبير.

هالمرة مارح أكتب عن الوطن الكبير لأن يلي عم يصير فيه أكبر من أنه تكتبه بنت بالعشرينات تفكيرها بهالوقت كان محصور جداً بالوطن الصغير.

بالرقة الوضع كان كل ماله عم يسوء أهلي عايشين بغربة بالمدينة يلي كبرنا وتربينا فيها.. قاعدين بالبيت بلا فوتة وبلا طلعة، مدارس الولاد موقفة وحياتهم الاجتماعية كمان خاصة بعد ما هاجر أغلب يلي منعرفهم من المدينة، يعني كانوا قاعدين وعم ينتظروا بابا وعم يستنوا ليشوفوا شو الحياة مخبيتلهم كمان.

بآواخر شهر تموز بيوم من أيام الشوب بالرقة بيدق حدا باب البناية اللي تحت، كنا بهالأثناء أنا وأختي موجودين بالرقة خلال العطلة الصيفية للجامعة، رديت عالانترفون لأعرف مين وجاوبني شب بلهجة رقاوية..  قلّي أنو هنن من الدولة الإسلامية وبدن يحكوا مع زلمة البيت.

سكرت السماعة ورحت قلت لماما لتبعت أخي الصغير يلي كان عمره هداك الوقت 12 سنة منشان يشوف شو بدهم.

بلفتة مضحكة من أخي وبفطنة منه للهفوة يلي ما انتبهنالها نحن، راح بدل قميصو الداخلي الأبيض بلوزة نص كم ما بتخالف اللباس الشرعي وحمل حالو ونزل.

كنا عم نراقب الحديث من البلكون لأن خايفين من أي تصرف ممكن يبدر منهم خصوصي أنه منعرف هدول الناس مالهم أمان وما عندهم أي رادع. عشنا على أعصابنا لبين ما طلع أخي على البيت وقال شو بدهم.. أخي كان حاسس بمسؤولية كبيرة تجاه الحادثة لهيك حكالنا بالتفصيل الممل شو صار معه.

بكلام مختصر الشباب قالوا لأخي أنه بدهم ياخدوا البيت، لهيك لازم نفضيه بأقرب وقت ممكن.. أخي جاوبن أنو هاد بيتنا من 8 سنين, لأي سبب بدهم يا؟ وكيف هيك ببساطة نحن منعطي البيت؟ وكمان حكالنا كيف استخدم كلماتهم بالمخاطبة ليحسسهم بوعيه وجديته، عبارات متل أخي الشيخ ، بارك الله بكم، على بركة الله…

هاد أخي الصغير يلي ما شاف من طفولته شي كان مضطر يتعامل مع كل هاد ويتحمل بهالعمر كل هالمسؤولية بغياب بابا.

كلامهم ما عمل شي إلا زاد مصيبة جديدة على مصايبنا وبنفس الوقت يمكن بشكل أو بآخر كل واحد فينا كان متوقع جواته هاليوم خصوصاً مع تهمنا الجاهزة “علمانيين كفرة مرتدين”

بيتنا ما كان أول بيت بيطالبوا فيه أو حتى بياخدوه، منعرف كتير عالم انجبروا يطلعوا من بيوتن ويهاجروا على غير مدن هروباً من هالمقبرة يلي كانوا عايشين فيها.

وكأنهم ما اكتفوا بأنهم خطفولنا سندنا الوحيد بالدنيا, كمان بدن يسلبوا منا الملجأ ويرمونا بالشارع.

أمي حكت مع شخص منعرفه تابع لداعش، وهالشخص طمنها أنو طالما مافي بلاغ بيثبت حكيهم فلا تشغل بالها، هدول بيكونوا أشخاص عم يحاولوا يعملوا شوشرة بشكل شخصي.

حكيه يلي حاول يطمنا في كان مجرد كلام… بعد كم يوم أجانا بلاغ من الدولة لنثبت ملكية البيت.

بدهم يانا نثبت ملكية البيت يلي دفع بابا دم عمره منشان يحصله ويكسيه, سنين وهو عم يشتغل ويوفر لحتى قدر يأمن هالبيت , هاد مو بس حقه مصاري، هاد البيت حقه عرق جبين بابا وتعبه وسهره ليالي بالمشافي. وهيك وبكل بساطة بيجوا بيطالبونا فيه.

بلشت أمي رحلتها لإثبات ملكية البيت، رايحة جاي بين مقر العقارات ومبنى البلدية لتقدر تحصل بيان عقاري بيثبت أنو هاد البيت بيتنا.

وكأن ضحكاتنا وصواتنا يلي مليانة زوايا البيت مانها كفيلة بهالشي، وكل ذكرياتنا وقصصنا ما كان إلها وجود، معقول لازم نثبت أنه هالبيت يلي حفظ دموعنا، أسرارنا، آمالنا، وأحباطاتنا هو بيتنا.

رحلة أمي كانت طويلة من مكتب لمكتب ومن أمير للتاني، هالرحلة انتهت بورقة خلت كل مجهود أمي يتفتت ويتحول لغبار بعاصفة من عواصف الرقة الرملية. الورقة بتقول أن البيت متله متل كل بيوت الحي، مو مسجل بقرار نظامي بالمحكمة، وحسب قوانين التنظيم فكلنا غير ملاكين وبحقلهم يصادروا بيوتنا أيمت مابدهم.

بعد ما شفنا الورقة عرفنا أنو الصعوبات رح تزداد مارح تنقص، لازم هلق نكمل سلسلة إجراءات إدارية وتعقيدات مطولة لحتى نوصل لإثبات قاطع بيدل على ملكيتنا للبيت. هالشي كان شبه مستحيل خصوصا بالظروف يلي كانت عم تواجهها المدينة. قصف طيران النظام كان كل ماله عم يشتد لهيك أمي ما كانت بتقدر تخاطر وتطلع من البيت كتير على مقرات التنظيم وتترك أخواتي لحالهم بخطر، هاد عدا عن العراقيل يلي رح يحاول يحطها التنظيم بس ليسيطر عالبيت ويطردنا منه.

طبعا هالشي موعبث, هنن كانو بحاجة هالبيوت ليسكنوا المهاجرين /المجاهدين/ وعوائلهم فيها أوحتى ليعطوها للمجاهدين يلي عندهم أكتر من زوجة وهيك بكون لكل وحدة بيت.

كلياتنا كنا منعرف أنو إصرار أمي لتثبت ملكية البيت كان محكوم بالخيبة.. وأنه رحلتها الطويلة رح تنتهي بالفشل المحتوم.

بعد ما خلصت العطلة الصيفية رجعنا أنا وأختي عحلب لنكمل دراستنا، كنا عم نتابع يلي عم يصير مع أمي أول بأول عن طريق الإنترنت وعم نحاول نحافظ على نتفة الأمل يلي بقيت فينا، الأمل بأن طفولتنا وماضينا ما ينمحوا وأنه كل شي بيكون عيلتنا ومشاعرنا وأحاسيسنا وذكرياتنا مع بابا ما تتوسخ عن طريق هالوحوش، هاد الأمل يلي ضاع برسالة بعتتها أمي على مجموعة مشتركة على الفيس بوك مع أختي، هالرسالة خلت السقوط أوجع.

” رح أبيع الأثاث تبع البيت رح نترك المدينة ونسافر على تركيا, ما عاد اتحمل هالكم من الضغط والخوف, هاد عدا عن عجزي عن الحركة بالمدينة بسبب داعش رح يلاقينا أبوكم بس يطلع وين ما كنا”.

نبذة عن الكاتب

ندى

صبية سورية

Loading Facebook Comments ...