محمود عباس، خِواء الكراهية.

اسمعوا الحلقة عالساوندكلاود

كان الاجتماع الأخير للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي عُقد في مدينة رام الله، كان مُناسبة لأن يُعيد الرئيس الفلسطيني محمود عباس عبر مطولة خطابية كُل ما لا يجب أن يقوله. فككل القادة غير القادرين على تقديم أي شيء ذو مضمون ومعنى لقضايا شعوبهم العادلة، فأن عباس انتقل للغرق في سياسات الهوية والصراعات الدينية والتاريخية. فالحاضر والموضوعي والمُباشر يُشير بوضوحٍ إلى فداحة ما يقوم به عباس ومؤسساته وأبنائه بحق الفلسطينيين وحقوقهم ومسألتهم العادلة، وبالتالي يجب الاستعاضة عن كُل ذلك بخطابات تصطنع عالماً وقضية بديلة، متمركزة حول الماضي والهوية، ولا تشد سوى عصب الكراهية.

عرض عباس خلال خِطابه جبلاً من المُغالطات التاريخية والسياسية، من القول “إن قتل النازيين الجماعي لليهود الأوربيين كان نتيجة أنشطتهم المالية، ولم يكن بسبب معاداة السامية”، ومن ثُم الإشارة بأن “الوظيفة الاجتماعية” لليهود في أعمال الربا والصرافة وما شابهها، هي التي كانت سبباً في اندلاع الجرائم النازية التي عادت اليهود في أواسط القرن العشرين، ومارست أفظع الجرائم بحقهم”.

أياً كانت التفسيرات التي قدمها، وسيقدمها، محمود عباس فيما بعد، فأن مقولاته تلك تقع في خانة التبريرية تماماً لما قام به النازيون بحق يهود أوربا. فعباس يسعى للقول بأنه ثمة سِمات ونزعات جوهرانية خالدة في الشخصية اليهودية، في طبيعية انشطتهم المالية وسلوكياتهم الاقتصادية وخياراتهم في الحياة العامة، هذه الجوهرانية المُفترضة التي يجب أن تعني مباشرة وموضوعية بأنه لا حل معها، خلا المحق. والذي جربه النازيون وقتها، ومن قبلهم الكثيرون من معادي اليهود عبر التاريخ.

لكن عباس في تكراره لذلك المنطق، فأنه يُعيد تثبيت الشيء الوحيد الذي كان يجمع الأيدولوجيتين النازية والصهيونية. فكلاهما اجمعتا على وجود بعض السمات الجوهرية المُفترضة في جماعة أثنية أو دينية ما، وأن الحل معها أنما يجب أن يكون عبر الاقتلاع!!.

 فالأشياء التي سطرها النازيون بحق اليهود، لتكون عتبة لمحقهم، أعادها الصهاينة بحق الفلسطينيين فيما بعد. فكما كان اليهود شعباً عاقاً ومُخلخلاً لاستقرار الدول الأوربية، حسب الايدلوجية النازية، فأن الفلسطينيون كانوا شعباً غيرُ مُتحقق، حسب الايدلوجية الصهيونية، بل مُجرد “حمولات” عشائرية وعائلية ومناطقية، لذا لا يُستحق أن يكون لهم كيان وحقٌ في تقرير مصيرهم!!، وأن البديل الوحيد هو أن يعود اليهود لتشكيل دولة على انقاض تلك الحمولات، اليهود الذين هُم شعبٌ مُتحقق الأركان من آلاف السنين، ودائماً حسب تلك الايدلوجية الصهيونية.

لكن الخواء الذي جمع بين النزعتين النازية والصهيونية، عاد عباس لتبنيها من جديد. فاليهود بالنسبة للنازيين لم يكونوا سوى عدوٍ وظيفي. استخدم النازيون كافة الأيدولوجيات والخطابات والفظائع ضد اليهود، للكثير من الأسباب، لكن أولاً للتغطية على خواء مضامين مشروعهم القومي الفاشي التوسعي. بالضبط كذلك فعل الصهاينة فيما بعد، استخدموا الخطابات والأيدولوجيات المُسطحة المُعادية للشعب الفلسطيني، للكثير من الأسباب، لكن أولاً للتغطية على خواء مضامين مشروعهم السياسي الساعي لتشيّد كيان/دولة دينية عرقية، تسعى لاستقدام وجمع مُجتمعات “يهودية” من مُختلف اصقاع الأرض، واسكانهم في مكانٍ واحد، وعبر اقتلاع سُكان منطقة جُغرافية كاملة.

شيء كثير من ذلك يسعى عباس لأن يفعله، فخطابات الهوية والجذور التاريخية والآخر “الشرير”، أنما تتقصد التغطية على خواء أحوال المسألة الفلسطينية، التي يقودها عباس نفسه. فالمحادثات مع الجانب الإسرائيلي لم تتقدم خطوة واحدة، وانقسم الفلسطينيون، شعباً وجُغرافية، إلى حيزين مُنفصمين، شعبُ ودولة حركة فتح، ونظيرتها التي لحماس. فوق ذلك، فأن مؤسسات السُلطة التي يقودها عباس أنما غارقة في الفساد والمحسوبيات وتيارات العوائل والأبناء من جيل أبناء عباس والمسؤولين المُحيطين به.

يظهر محمود عباس وكأنه يكتنز في شخصه كُل اشكال عُقد الفشل، فلا هو رئيس لدولة ناجزة، ولا يستطيع أن يكون زعيماً حقيقياً لأهم حركات التحرر، كما كان سلفه ياسر عرفات، ولا يستطيع حتى أن يكون إدارياً ماهراً لقضية شعبه، أو حتى ديكتاتوراً تقليدياً، مثل الآخرين الكثيرين من ديكتاتوري منقطتنا. عُقد الفشل التي ليست بدورها إلا نتيجة طبيعة لجوهرانية الخواء.

نبذة عن الكاتب

كاتب وباحث سوري مستقل، مواليد 1982، ينشر مقالاته في صحيفة الحياة وعدد من الصحف العربية والكردية، وأبحاثه في عدد من مراكز الدراسات. مُهتم بعلم الاجتماع والتاريخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط.

Loading Facebook Comments ...