مخيم اليرموك.. عكس الغيتو

لم يكن مخيم اليرموك مخيماً إلا في المجاز، ولعلها مفارقة: كان اليرموك واحداً من بين ثلاثة مخيمات لا تعترف بها الأونروا كمخيمات، حتى وإن قدمت لها بعض الخدمات، ومع ذلك كان المكان الوحيد، من بين ثلاثة عشر مخيما فلسطينياً في سوريا، الذي تكتفي معه باسم “المخيم”. إن قلت إنك ذاهب إلى المخيم، سيعرف الجميع أنك تقصد اليرموك، في حين كان عليك أن تذكر أسماء المخيمات الباقية لتكتمل العبارة. 

لم يكن اليرموك مخيماً لأن اللاجئين الفلسطينيين بنوه بأنفسهم، بسواعدهم لا بسواعد وكالة الغوث. لكن اسم المخيم بات الاسم اللصيق بكل تجمّع فلسطيني لاجئ، حتى بتنا نشعر أن الاسم اختراع فلسطيني خالص. عدا عن أن الكلمة دخلت الأدب، شعراً ونثراً، كما حملت على ظهرها دلالات متفاوتة إلى حد التناحر، عندما تنقّلت بين خيام الذل وخيام التحدي: “خيمة عن خيمة تفرق”. “لا هوية إلا الخيام، إن احترقت ضاع الوطن”. “حين يبتسم المخيم تعبس المدن الكبيرة”.. 

لمخيم اليرموك تاريخه الذي قد يكون تاريخاً موازياً لفلسطين، فهو النكبة والثورة، النصر والهزيمة،.. شهداؤه موزعون على الأحداث الكبيرة والصغيرة التي كتبت يوميات الفلسطينيين، وأسماء زواريبه وشوارعه وساحاته موزعة على كامل خريطة البلاد. 

حمل المخيم معه كل رموز فلسطين، لكن لم يتوقف الأمر عند حدود الرمز، فهذه الكتلة الكبيرة من اللاجئين، التي كان لبعضها خصوصية تحدّرهم من المدن الفلسطينية، بما يعنيه ذلك من  تقدّم في التعليم والوعي والانخراط في الشأن العام بنسبة أكبر من بقية المخيمات التي جاء أهلها في معظمهم من الأرياف، كانت دائماً وجهة رئيسية لخطاب المؤسسات والتنظيمات الفلسطينية. 

 كذلك لا بدّ أن فلسطينيي اليرموك حظوا بميزات جديدة لمصادفة التصاق مخيمهم بمدينة دمشق، هكذا وجد كثير من فلاحي الأرياف أنفسهم بلا أراض وسرعان ما انخرطوا في مهن جديدة اقترحتْها المدينة الجديدة. 

ودمشق، كما هي دائماً، لا تبخل على “الغرباء”، لم تميّز القادمين الجدد بفاصل أو سور، وبالعكس، لم يتردد كثير من أهلها حين أرادوا التوسع والخروج من ضيق المدينة في أن يسكنوا المخيم، ربما قبل مرحلة التوسّع للسكن في جرمانا أو سواها من الضواحي القريبة. 

كل ما يجري حول المخيم وفي قلبه كان يضعه في قلب المدينة، أحياناً كان أشبه (إلى حدّ  ما) بمدينة موازية بديلة، فيها السوق (شارع لوبية الشهير الذي بات ينافس بوضوح شارعي الحمرا والصالحية)، والمركز الثقافي الآخر (بعد الخروج من بيروت وجدت الفصائل الفلسطينية في العمل الثقافي بديلاً، فنشطت الفعاليات الثقافية واستقطبت من السوريين قدر ما جمعت من أبناء المخيمات عموماً)، وكانت أيضاً لبعض الوقت الصحافة البديلة، حين كانت الصحف الفلسطينية “الحرية”، و”الهدف” تحديداً منبراً للعديد من الكتّاب والصحفيين السوريين والعرب. 

 

شيطنة المخيم

 في المحصلة، وبنتيجة التفاعل والقبول المتبادل والانفتاح  بلغ تعداد المخيم حوالى مليون نسمة، لم يكن من بينهم سوى مئة وستين ألف لاجئ فلسطينيّ، فمن أين جاء البعض بوصف الغيتو للمخيم؟! لقد كتبها بوضوح كاتب سوري معارض حين قال إنه “غيتو بدون أسوار، لكنه محاط بجدران عدم الاعتراف”.

 لقد شكّل المخيم عكس فكرة الغيتو، كما تثبت الوقائع كلّها. لكن الكاتب المعارض يذهب أبعد من ذلك: “المخيم كان واجهة لعقيدة انتهاك القانون والحقوق باسم القضية المركزيّة”. فعلاً؟! هل أنت جاد في ما تقول؟ هل  تتحدث عن مخيم اليرموك، أم عن مخيم ما رسمته في مخيلتك؟

ليس المخيم يوتوبيا بالطبع، ففيه من العلل ما في باقي سوريا التي أفسدت ونهبت ودجّنت، لكنه لا يمكن أن يكون مثالاً للعشوائيات أو أحياء انتهاك القانون، كما لو أنك تتحدث عن السومرية، أو مزة 86، كما لا يصلح مثالاً لمخيم خارج عن السيطرة كمخيم عين الحلوة على سبيل المثال. أما فكرة الغيتو فهي غير واردة على الإطلاق، في مكان متعايش مع محيطه لأبعد الحدود، وعلى أطرافه نمت أحياء، بعضها للأقليات التي أنِستْ العيش قربه مثل حيّ التضامن. 

غريب حقاً خصوصاً من كاتب معارض، في وقت ما زلت أحتفظ بشهادة لا تنسى من كاتب سيصبح لاحقاً موالياً عندما قدّم شهادته في مخيم اليرموك ( شهادة تعود للعام 2002)، وما يعنيه بالنسبة له “وجدنا فيه ملاذاً لنا، نحن القادمين من أربع جهات الريف السوري. كان ملاذاً دافئاً وخبزاً ساخناً ومفردات فلسطينية لم نسمعها من قبل. كنا قادمين وعلى أكتافنا هموم متفرقة وثقافة يسارية وعلم أحمر ونجمة وصور غيفارا، اجتمعت مع بيانات “العاصفة” وصور الشهداء على جدران البيوت كما كان المشهد في أزقة المخيم الموحلة. كان ثمة اجتماعات في بوفيه الكيمياء بجامعة دمشق تنتهي إلى لقاءات مسائية في المخيم الذي يستقبل الفدائي القادم من إجازة.. كان المخيم صغيراً.. صار المخيم بحجم الوطن المرتجى”. 

ما يذهل أكثر شهادة من مخرج مسرحي سابق (وهو فلسطيني فوق ذلك) حين يعلن اندهاشه من التباكي على المخيم (اليرموك) ودوما، فيقول “المخيم منذ الثمانينات لم يعد منارة للمناضلين والمثقفين بل مرتع للنصابين وملتقى للحشاشين. وليس عاصمة الشتات بل سوق للتجارة”. ويضيف بخصوص بلدة دوما “دوما ليست واحة للحرية والديمقراطية، بل منطقة محافظة جداً مع سكان متزمّتين هم أهل للحرية، وإن كانوا لا يدركون كل أبعادها”. هذا قبل أن يتحدث عن الحي الذي كان يسكنه فيقول “لطالما حلمت بجرافة أو بهزة أرضية تأتي وتمسح كل هذا القرف والعشوائية التي بناها النظام بسواعدنا”.

كل ذلك يكسب معنى استثنائياً لأنه يأتي بالضبط في وقت تتدفق الصور الفظيعة لنهايات مخيم اليرموك، الكتل الملتهبة والدخان الذي يغطي سماء المدينة والدمار. يأتي كأنما ليبارك القصف ويبرر الجريمة الوحشية، من دون أي أسف على حيوات وبيوت بُنيت بالدمع والدم والأمل، تماماً مثلما فعل شاعر موال حين قال إنه لا يرى في مشهد قصف اليرموك إلا المآذن، في محاولة منه للإيحاء بأن المكان متطرف دينياً وبالتالي يستحق هذا المصير، ناسياً أن المآذن بنيت في عهد نظام مستقر لخمسين عاماً لا في عهد ثورة السنوات الفائتة. 

أمام مشاهد محو مخيم اليرموك التي لم تنته فصولها بعد، يصعب أن يقبل المرء هذا النقاش الذي يأتي على أنه من باب الموضوعية والعقل البارد، وحتى من باب الثورة على النظام. نقاش ذكّرني بمن كتب إثر خطف الأب باولو في سوريا، ولم يكن مضى على اختفائه سوى أيام والناس في حال رثاء وتذكّر لعظمة مواقفه، حين كتب يشير إلى إساءة الأب باولو للفضاء المعماري (هكذا بالحرف) لدير مار موسى، حيث أقام لسنوات طويلة! 

  ليس مطلوباً من أحد الاعتراف بفضلٍ ما للمخيم، ليست المسألة هنا، ولن يدّعي أحد هذا الفضل، لكن بالمقابل كم تبدو مؤلمة شيطنته، وصمه بالمكان الغيتو أو الخارج عن القانون. 

حبذا لو تتذكرون محاسن موتاكم. 

نبذة عن الكاتب

راشد عيسى

صحفي وناقد فلسطيني سوري

Loading Facebook Comments ...